كرد سوريون (ضاع) مستقبلهم الدراسي بسبب (سلخ) جنسيتهم السورية

كرم يوسف


بعد عدّة أيام، ستضاف سنة جديدة على الثلاث والأربعين عاماً على معاناة الكرد السوريين الذين جُردوا من جنسيتهم السورية ، زوراً وجوراً ، بموجب الإحصاء الاستثنائي في 5-10-1962 ،ليضاف إلى هذه المعاناة رقم آخر جديد ،كي يحدثنا شفان آدم ، بهذا الصدد : منذ أربع وأربعين عاماً جُردت عن أسرتي الجنسية السوريّة ، ومضت عدة أجيال ونحن ننتظر غودوت الجنسية ، دون جدوى ، وليقول إبراهيم زيدو في هذا الصدد : لو أن جنسية أسرتي لم تنسلخ عنها، لكُنت الآن “طبيباً” وصاحب عيادة جميلة!!،

وليواصل شجى الحديث في هذا المجال كرد آخرون كثيرون ، وكثيرو ن، هم من أقارب وذوي وأبناء جلدة شفان وإبراهيم ، وإن كان لكل منهم معاناته ذات الجذر الحرمانيّ الواحد، ربما وهماً منهم بأنهم لو كانوا من حملة” الهويّات” السورية في “محافظ جيوبهم” لكانت همومهم أنقص…….وأقلّ……!

وإنّه لكم من الطلبة الكرد السوريين ، تغيّرَ منحى حياتهم- كلياً- بسبب عدم السّماح لهم بمتابعة الدراسة الجامعية ، و إن الكثير من آباء هؤلاء بات يفهم المعادلة ، ويحلّلها مسوغاًً منع أولاده من الذهاب إلى المدارس ، وهم في سنّ التعليم الإلزامي بالقول: في الحالتين لن يتمكنوا من متابعة دراستهم، سواء أحصلوا على الشهادتين الإعدادية، أو الثانوية، أم لم يحصلوا عليهما، الأفضل أن لا يدرسوا مادام أنّهم سوف يواجهون المصير المحزن نفسه، إن درسوا أو لم يدرسوا، هذه الفكرة، تماماً ، كانت وراء منع آباء كثيرين لأولادهم من متابعة الدّراسة، ليكون هذا الجيل الكرديّ ا”لأجنبي” أو” مكتوم القيد” رغم أنفه ، هو أيضاً ، من عداد ضحايا ذنب ، لم يقترفوه، لاهم ، ولا آباؤهم ،ليجرّدوا من الجنسية..!

الهمّ الكردي لا بدَّ أن يكون استثنائياً، فعلاً هو هم استثنائي، حتّى مع السوريين أنفسهم ، السوريون الذين لا يملكون -حتّى الآن – أية معرفة حول دواعي معاناة وآلام أخوتهم الكرد السوريين المجرّدين من الجنسية ،ممن يقطنون في أقصى نقاط المعاناة الشمالية الشرقية من خارطة الوطن، حيث كثيرةٌ هي المواقف التي مرّت علي أنا شخصياً، وأنا أتحدث لبعض الزملاء والأصدقاء عن “كرد أجانب” أو” مكتومين” ، فما بالك بغير السوريّ ، حيث يتعذّر على أيّ شخص ،حتّى ولو كان كرديّاً معرفة” ماذا تعني كلمة “كردي مكتوم” أو” أجنبي” مالم يعد إلى مناخات العام 1962 المؤلم كردياً ، أو أن يجمعه القدر مع كردي مكتوم أو أجنبي في باص للركاب أو مجلس ما، هذه المناخات التي لمّا تزل أجواؤها مهيمنة بهذا الصدد…..!

أنا شخصياً، واحد من الكرد السوريين الذين استعصت عليهم معرفة مسألة الكردي “مكتوم القيد” أو” الأجنبي “- حدث ذلك حين طلب أمين سرّ المدرسة،عندما كنا في تلاميذ صغاراً في المرحلة الابتدائية في مدرسة “حاتم الطائي” في قامشلي ، من الطلاب الأجانب و”مكتومي القيد” من طلاب الصف الوقوف لتدوين أسمائهم، حينها قلت ببراءة لصديقي الكرديّ الأجنبيّ مصادفة أو قصداً – وهو- أنس عبدو أن يوضّح لي الأمر المستغلق عليّ بعد إن قلت له : إنك أجنبيّ ، أو يعني أنّك تجيد لغة ثالثة؟ ،فمن أيّ أصلٍ أنت..؟!

تستحضرني الآن أسماء كثيرة لشبّان وشابات كرد سوريين ، ممّن جرّدوا من الجنسية ، فاضطرّوا أن يكونوا أسرى انتظار غير المعلوم، للحصول على مقعد دراسي مع أخيهم وأختهم السوريين الصّرفين….!

مؤخّراً ،يتمّ – للأسف – طرد التلاميذ والطلاب “مكتومي القيد” من المدرسة ، وحتّى منعهم من متابعة التعليم الإلزامي ولا يعودون إلا بعد استثناء الألف توقيع والألف طابع،والألف وساطة ، ناهيك عن عدم منح وثائق النجاح في الشهادة الثانوية لمتابعة الدراسة الجامعية، لأصحابها…..

..؟.

الطّفلة “نارين” ذات ثمانية الشتاءات واحدة من ضحايا حملة” الكتم والأجنبة”* طُردت من المدرسة لأنها شريكة(ضحية) في هذه الحملة المؤلمة، لتعود إلى البيت وتقول لوالدها: بابا أنا كتبت كلّ وظائفي وحفظت عن ظهر قلب نشيد “حماة الديار” وأجبت عن أسئلة” فلسطين داري” طردني المدير لأنّي” مكتومة القيد” ، تعال معي غداً إلى المدير وأخبره أنا لست بأجنبية، أليس منزلنا بجوار المدرسة..؟

ملف الكرد السوريين” مكتومي القيد” و”الأجانب” يظل ملفاً محكوماً ب”خلل فني أو تقني ّ “، على رغم من أن التأجيل فيه ليوم وليلة أمرٌ كارثيّ وهو موضوع ماعاد يحتمل التأخير أكثر ، فكلّ يوم يمرّ على هذا الملفّ، بالتأكيد سيكون الضحية أكثر من شخص أو عائلة ، لا سيّما وأن كلَّ” مكتّم ومؤجنب ” يعتزّ بانتمائه لهذا الوطن ، وبأنّه كان-

دوماً- من أول الذين استبسلوا في الدفاع عن حرية هذا الوطن….! إنَّ نارين مصطفى ، وشفان آدم , و إبراهيم زيدو ليسوا إلا أرقاماً ثلاث في معاناة أكثر من ربع مليون كردي سوري مُجرد من الجنسية، ربع مليون كرديّ، يودون أن يتدفأوا هم أيضاً بحماة الديار، ويرسموا أحلامهم ضمن الخارطة السورية ..

ما أودّ قوله في نهاية ” كرد سوريون “ضاع ” مستقبلهم الدراسي بسبب الحرمان من الجنسية ” أن أحد الأصدقاء- قبل عدة سنوات- أقسم أنه لن يحلق شعره ،حتّى تمنحه مديرية التربية في الحسكة شهادة نجاحه في الثانوية ….منذ مدة طويلة لم أرَ هذا الصديق ، وما عدت أدري هل وفى بشعره أم بوعده..!

* هل لي أن أنسب هذين المصطلحين إلى ذاتي؟

2-10-2006

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…

نورالدين عمر تمر القضية الكردية اليوم بمنعطف تاريخي لا يقبل أي خطأ استراتيجي، فبين طموحات التحرر وتحديات الواقع الجيوسياسي، تبرز ضرورة تجاوز مرحلة الشعارات الحزبية التقليدية. إن قراءة المشهد الحالي تفرض علينا الاعتراف بأربع ركائز أساسية لا يمكن القفز فوقها إذا أردنا صياغة مستقبل يليق بتضحيات هذا الشعب. أولاً: الوحدة كضرورة وجودية لا أحد ينكر أن الحركة الكردية تعاني…

عدنان بدرالدين لم تكن القضية الكردية في تاريخها الحديث مجرد صراع سياسي بين شعب ودول تتقاسم أرضه، بل كانت أيضاً مجالاً تشكّلت داخله أنماط متعددة من الانخراط الفكري، وطرائق مختلفة لتفسير التجربة الكردية، وشرح إخفاقاتها وإنجازاتها، وتخيّل آفاقها السياسية الممكنة. فالمثقف الكردي نادراً ما كان مجرد مراقب لما يجري في المجال السياسي. ففي مراحل عديدة من التاريخ السياسي الكردي لعب…