الحوار أضحت آلة تعزف على أوتارها الجميع

  عمر إسماعيل

الحوار لغة العصر وأداة للتواصل السياسي والاجتماعي والثقافي  وهي قديمة مارسها الإنسان كأساس لحل المشاكل  بينهم منذ زمن العبودية والانحطاط وحتى عصرنا هذا0 وللحوار أسس ومبادئ وقيم أخلاقية عالية يجب احترامها والالتزام بها فكل المعاهدات والوعود والاتفاقات التي وقعت بين دول العالم والمجتمعات الإنسانية كان أساسها الحوار ولكن مع استمرار الأنظمة المستبدة على سدة الحكم في منطقة الشرق الأوسط  وانعدام الديمقراطية أصبح الحوار يفقد مبادئها وقيمها الأخلاقية وفق مصلحة- الملك- الرئيس – الأمير
وبعد هبوب رياح التغيير التي عصفت ببعض الدكتاتوريات ومازلت تعصف بالآخرين وبعد تأزم الأوضاع العامة في سوريا والتي كانت شرارتها في 15/3/2011 واستمرارها أدى إلى انعدام الثقة المطلقة بين النظام والشعب السوري والمعارضة الوطنية أصبحت الحوار آلة موسيقية تعزف على أوتارها كل الفر قاء وكل حسب طريقته ومصلحته فالنظام الذي لم يعترف يوما  بالحوار شكلا ومضمونا وكم الأفواه خلال أكثر من أربعين عاما ومارس الظلم والاضطهاد من خلال مفهوم الحزب الواحد القائد للدولة والمجتمع ومحاسبة الإنسان الكردي على التكلم باللغة الكردية وعدم الاعتراف بأبسط مفاهيم حقوق الإنسان والحريات العامة و ملاحقة الأغاني والشعر وألوان قوس قزح الطبيعية وزجهم في السجون والقبضة الأمنية على مفاصل الحياة في البلاد واعتقال قيادات وكوادر الحركة الوطنية الكردية وزجهم عرفيا لسنوات طوال في السجون المتميزة ببطشها والتي لا تشبهها أي سجون العالم ومصادرة أية فكرة تشبه الحوار الآن أصبحت تطلق الحوار والإصلاح وفق طريقته وشريعته في الهواء الطلق ولكن متى بعد أكثر من أربعة أشهر  من القتل والتشريد واقتحام المحافظات السورية  من قبل الجيش السوري والآلة العسكرية المتغطرسة وبعد كل هذا الصراخ أصبح حزب البعث يمجد الحوار من خلال تشكيل لجان في المحافظات السورية وحسب مزاج السلطة .

ومع كل هذا شيء جميل هذه الصحوة ولو بعد فوات الأوان فهل فعلا تستطيع السلطة من اجل الحوار وإصلاح حال البلاد إن توقف القبضة الأمنية من خلال انسحاب الجيش إلى ثكناته ووقف مسلسل القتل والتشريد ضد المتظاهرين  العزل وإطلاق الحريات العامة وخاصة حرية  المعتقلين السياسيين وحرية الرأي وإلغاء المادة الثامنة من الدستور السوري وهل النظام السوري فعلا جاد في حوار مع الحركة الوطنية  الكردية بعد أن راوغ في بداية الأحداث وراهن كثيرا على  بعض الوجهاء واعتبارهم ممثلا عن الحالة الاجتماعية وكأن قضية الشعب الكردي مجرد مطالب اجتماعية واقتصادية وليست قضية سياسية وقضية شعب يعيش على أرضه التاريخية قبل تأسيس الدولة السورية وله حركة سياسية منظمة ووطنية مارست السياسة بجدارة وهي تحمل من الحكمة والحنكة السياسية أكثر من النظام نفسه فهل هي مستعدة الآن الاعتراف الدستوري بقضية الشعب الكردي الذي عانى من الغبن والتمييز العنصري وإلغاء مشروع الحزام العربي السيئ الصيت وأيضا المعارضة الوطنية في سوريا رغم شقاقها وتنوع أحزابها ورغم كل الاضطهاد والظلم الذي عانى منه على يد النظام هي أيضا تمارس الحوار حسب مصلحته ,الشعب يموت كل يوم في الشوارع والشباب صدروهم عارية أمام الرصاص الحي من قبل الشبيحة وقوى الأمن والقوى السياسية تتعارك على الأرصفة تقول بأننا نتحاور دون فعل ايجابي وكأنها عجلة تراوح نفسها وإنكار المعارضة لبعضها البعض وإطلاق شعارات الانتماء الى الوطن العربي والأمة العربية  وغيرها وحالات الشقاق الواضح على مشهد لقاءات المعارضة دليل واضح على العجز وعدم تقدير لحجم التضحيات الذي يقدمها شباب سوريا وأطفالها ونسائها وشيوخها ويجب أن نؤمن جميعا بان سورية لن ترى الحرية بدون تكاتف جميع أطراف المعارضة من الداخل والخارج وان نتعالى قليلا عن الأحقاد القومية والاعتراف الدستوري بقضية الشعب الكردي كشعب يعيش على أرضه التاريخية  وان شعار سوريا جزء من الوطن العربي الكبير وصهر القوميات في بوتقة الأمة العربية  قد انكشف غطائها ولا مستقبل لسوريا إلا بالشراكة الوطنية بين الشعبين العربي والكردي وثائر الأقليات الأخرى فمستقبل الجميع مع الجميع والمصلحة العامة تقتضي التوافق وليس إنكار فئة لفئة أخرى .

على كل حال مبدأ الحوار مطلوب والوقت يمر وعدد القتلى والمشردين تزداد يوما بعد يوم ونحن مازلنا نتحاور علينا جميعا أن نعترف ببعضنا البعض وان نمارس عمليا  واجباتنا الذي ناضلنا من اجلها وان نترفع قليلا عن الأنا الشخصية والحزبية  وان نراعي مصلحة المواطنين الذين عانوا من الظلم والاضطهاد وأنهكهم ظروف الصعبة الذي يمر بها البلاد وان لا نطلق مشروع الحوار من اجل الحوار بل الحوار من اجل البناء والعيش معا بحرية وكرامة دون إقصاء احد .
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…