حول انسحاب الوفد الكردي من مؤتمر الإنقاذ الوطني في اسطنبول، رؤية مستقبلية للحدث

 خالص مسور  

يعتقد الكثير من الساسة أن التفاوض أو حتى الحوار مع طرف آخر يمتلك مفتاح الحل لقضية عادلة نناضل أنت من أجل تحقيقها، لهو أصعب بكثير من خوض حروب التحرير نفسها بكل جراحاتها وعذاباتها ومآسيها الأليمة حقاً.

ففي الحروب هناك معركة تقف فيها أمام عدو وجهاً لوجه تستخدم فيها تكتيكات جاهزة قد تكون اكتسبتها بالتدريب والخبرة والميران والمناورة على مسرح حرب مكشوفة، وفي هذه الحال ما عليك سوى التحلي بالشجاعة والإقدام والإستخدام الجيد للسلاح والأرض للتمويه وحيث كل شيء يجري أمام بصرك وبصيرتك.
بينما التفاوض هو فن من فنون إدارة الأزمات يتطلب إبداعات كامنة في الذهنية البشرية ومهارة في اقناع الطرف الآخر بقضيتك العادلة، كما يتطلب عقلاً استيراتيجياً منفتحاً وقادراً على قراءة الأحداث المستقبلية على المديات الطويلة، وأن أي خطأ في هذه القراءة قد يؤدي إلى انتكاسة مزمنة في الحالتين المادية والمعنوية وضياع الكثير من الحقوق التي وفرتها ساحات النضال العملي والذي ولاريب كان مؤلماً حقاً.


ولهذا ففي المفاوضات التي تجري بين طرفين سواء كانا في حالة خصومة ونزاع أو بين طرفين صديقين، يجب ألا يسود تلك المقولة الشهيرة التي حاربها لينين في كل كتاباته والقائلة بـ (إما كل شيء أو لاشيء) فمن يقتدي بهذه المقولة وهو ذاهب على التفاوض يكون قد خسر جزءاً كبيراً من الرهان مسبقاً، وهو ما أعتقد أنه قد حصل مع شريحة من الوفد الكردي المحاور في مؤتمر اسطنبول للإنقاذ الوطني والذي لايزال منعقداً حتى اليوم، حيث علمنا بانسحاب قسم من هذا الوفد أو بعض القيادات الكردية من المؤتمر وذلك لعدة أسباب ومن جملة الأسباب، سيطرة العقلية القديمة على شريحة ضئيلة من الحضور والتي يظهر أنها فرضت سيطرتها على أجندات المؤتمر، ثم انعقاد المؤتمر تحت شعار (الجمهورية العربية السورية) فقد اعترض المنسحبون الكرد على كلمة  /العربية/، وطالبوا بعبارة الجمهورية السورية بدون العربية، بالإضافة إلى ما قالوا عن تهميشهم في المؤتمر كعدم تعيين أحدهم في اللجنة التحضيرية مثلاً…الخ.

ورغم ما نعتقد أنها مطالب محقة ومشروعة في آن واحد، ورغم أننا نكبر في المنسحبين غيرتهم واستماتتهم في الدفاع عن حقوق شعبهم المشروعة، ألا أننا نرى أن الانسحاب أدى إلى خلق نوع من البلبلة وحالة من الإرباك بين صفوف المعارضة الوطنية من ناحية، وإلى فقدان جزء من زخم الحضور الكردي في المؤتمر وتغيير رؤية الحراك الشعبي العربي لما حدث، فكان يجب ألا يحصل ما حصل وخاصة في مثل هذه الظروف الصعبة والعصيبة من عمر الحراك الشعبي السوري وتأثيراته الجانبية على المد الجماهيري فيها.

ولنعلم أن لنيل المطالب مسارات ودروب وله أصول ومناهج، وكل خروج عن هذه الأصول قد يؤدي إلى ضياع هذا الحق بل قد ينعكس سلباً على صاحب الحق ذاته وسيخسر الرهان وخاصة إذا كان صاحب الحق يشكل الجانب الأضعف أداتياً، وأقصد بالأضعف أداتياً هو عدم امتلاكه أوراق تفاوضية مؤثرة أو بالأحرى حوارية رابحة يستطيع إبرازها في وجه محاوريه إن حاولوا أن يغمطوه حقه، رغم ما يشكله الكرد من ثقل كبير على ساحة الحراك الجماهيري في الشارع السوري اليوم.


ولهذا أعتقد – مرة أخرى – أن انسحاب قسم من الوفد الكردي من مؤتمر المعارضة رغم ما نعتقده من تأثيرات تركية فيه ضد المكون الكردي، ورغم مشروعية المطالب وكذلك الأسباب الموجبة للانسحاب، ألا ننا نعتقد أن ذلك الانسحاب كان خطاً تكتيكياً مثيراً للجدل، وقد نسأل أنفسنا ما الذي حققه ويحققه الانسحاب على الصعيد العملي باعتقادي لاشيء، أي كان البقاء داخل فعاليات المؤتمر أجدى من الخروج منه، حتى تحت شعار الجمهورية العربية السورية وذلك لعدة أسباب وجاهية ومنطقية منها:
1 – لن نستطيع أن نزيل في ساعات معدودات ما ترسخ في أذهان البعض من المحاورين ممن تربوا، على مقولات القائد الأوحد، والحزب الواحد، والشعب الأوحد، بتأثير من الشوفينيات السائدة في المنطقة منذ خمسين عاماً بل ويزيد في هذه الدول التي تسيطر على كردستان، كما هو الحال مع التكات التركية الثلاثة /تك ملت- تك زمان- تك دولت / وهذا ما يجري في سورية أيضاً، حيث يتطلب تغير مثل هذه المفاهيم وقتاً إضافياً ونضالاً سلمياً لا هوادة فيه ضمن سورية موحدة، وهو ما لا يمكن تحقيقه في مؤتمر اسطنبول وخلال يومين من مدة انعقاده.
2 – كما كان على الوفد الكردي أن يتحسب لمرحلتين اثنتين في التعامل مع المعارضة السورية:
الأولى: هي مرحلة الثورة وما يتطلب من المتحاورين من خلالها الحرص على عدم الوصول بالمناقشات إلى مرحلة الانسحابات وشق صفوف المعارضة بهذه السهولة وضياع ما قد يتحقق للكرد من خلال المؤتمر، فبفوز المعارضة سيكسب الكرد بأكثر مما لو خسرت، وقد رأينا ذلك على الأقل في حيثيات البيان الختامي للمؤتمر والذي تلاه أحد المعارضين الكثير من الإيجابية والتي يمكن قبولها مبدئياً كما جاء في حيثيات المادة الرابعة من البيان الختامي والتي تنص على:
 (التأكيد على المساواة التامة بين أبناء الشعب السوري واحترام خصوصياتهم الدينية والعرقية ومشاركة جميع القوميات من أكراد وآشوريين وتركمان وكافة الأقليات الأخرى من أجل بناء دولة مدنية وديموقراطية، تعددية، تعاقدية، تداولية، تضمن حقوق الجميع وحرياتهم وكرامتهم، وعلى التعايش السلمي والتعاون الوطني بين جميع طوائف الشعب السوري مسلمين ومسيحيين).

 
الثانية: مرحلة فوز المعارضة وانتصار الثورة وعندها سيلجأ الثوار حتماً إلى تغيير أو إلغاء الدستور كلياً، وفي هذه المرحلة يمكن للكرد أن يثيروا ما أثاروه في مؤتمر اسطنبول، وأن يكافحوا بكل سلاسة واريحية من أجل تضمين الدستور الجديد عبارة الجمهورية السورية والتي ستراعي ولاريب خصوصيات كافة مكونات وأطياف الشعب السوري، وحتى إذا لم يجر الموافقة في البدء على هذه الطروحات السياسية، فيمكن عندها رفع الصوت عالياً والمطالبة بما يطالب به الكرد اليوم في مؤتمر اسطنبول سواء في البرلمان الجديد والذي سيكون الكرد من نزلائه بشكل حتمي، أو بشكل اعتصامات ومظاهرات مريحة وفي دولة ديموقراطية لا تواجه المتظاهرين بالقمع أو العنف.

وحيث يمكن الإستمرار في المطالبة بالحقوق مهما طالت الأيام و الزمن، حتى يتم الاستجابة للمطالب العادلة للكرد ولغيرهم من مكونات وأطياف الشعب السوري.

وذلك أفضل مما لو تطالب وأنت تعيش تحت سقف دولة لاتعترف للكرد بأبسط  الحقوق المشروعة، وأفضل من الانسحاب والذي قد تحرم من أجله من الكنيسة والمسجد معاً.


…………………………………………………………………

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

امين كلين عفوا ياسادة الافاضل : يتحدثون عن تشكيل المرجعية الكردية في سورية ، في الدول الديموقراطية مجلس النواب هو المرجع الاساسي لانه منتخب من الشعب ( ليس معينا ، فالمعين لايصبح مرجعا ) قبل عام وتيف ( 26 نيسان 2025 ) اتفقت أطراف كردية كثيرة على عقد كونفراس شامل وشكلوا وفدا برأسين ( دليل عدم التوافق ) وتحت قيادة…

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…