فُقاعةُ حـوار في الصحارى السورية

حسين جلبي

لا زال النظام السوري مُصراً على التذاكي، مُصراً على أنه بإستعماله الحل الأمني، و بإقتحامه المدن السورية بالدبابات و قطعان الشبيحة، و بقتله المدنيين العزل و التنكيل بهم في الشوارع، و ممارسة التعذيب السادي الممنهج في فروع المخابرات، و بغير ذلك من الجرائم التي أبدع حقيقةً في إبتكارها و المسجلة بأسمه في سجلات حقوق الملكية، لا زال يظن أنه بكل ذلك قد أطفـأ روح الثورة و كسر إرادة المقاومة لدى الشعب السوري، و مهد الأرض لقبول هذا الشعب الأبي لأي شئ يلقيه أليه حتى لو كان في شكل ترقيعات تجميلية، لعل آخرها الكلمات التنفيسية الجوفاء التي خرجت من مؤتمر صحارى للحوار و تبخرت في الهواء.
و الحقيقة أن حوار النظام السوري مع نفسه في صحارى دمشق لا يختلف من حيث الهدف الذي يرمي إليه عن سلسلة إجراءاته المذكورة التي لا يخدم بها إلا نفسه و محاولته اليائسة للبقاء، لكنه يختلف عن تلك الإجراءات من حيث كمية الأضواء التي يرغب بتسليطها على حواره لتضخيمه مقابل التعتيم الشديد على الصورة الحقيقية و تزوير ما يتسرب منها بهدف تقزيمها، إذ أن كل شئ معد سلفاً، و ما يجري لا يعدو كونه مسرحية سيئة الإخراج يشترك فيها أبطال الدراما السورية الذين أصابتهم بطالة إلى جانب بعض الكومبارس، لإبتزاز المتفرجين و محاولة إنتزاع التصفيق منهم عبر إصدار قرارات لا تستحق حقيقة الزوبعة الإعلامية التي أثارها النظام حول مؤتمره.فثمة ترقيعات ينوي النظام القيام بها، و هي لن تنجح مهما كانت متقنة في رتق ثوبه المتهالك الذي لم يعد يخفي عورته، فمهما إرتفع سقف القرارات فلن يقترب من الإمتيازات التي تتمتع بها عائلة الأسد و من يدور في فلكها، هذه الإمتيازات التي إكتسبتها بقوة الإنقلاب و تعتبرها الآن حق سماوي لها.و هنا ليس من المستبعد أن ينضم السيد بشار الأسد للمؤتمرين كونه يعتبر نفسه مثلهم معارضاً، طالما أن الجميع يركب الآن موجة المعارضة، ليعلن هناك قرارته، كإستجابة للمداخلات التي جرت ليختم به هذا العرض الهزيل.
إن مؤتمر النظام دليلٌ آخر على تخبطه و عزلته و بعده عن الواقع، ففي الوقت الذي تجري المظاهرات المنادية بإسقاطه في جميع المدن السورية، و في الوقت الذي يتصدى لهذه المظاهرات بأعلى درجات العنف، يجري هذا النظام و أصدقائه مباريات في الخطابة عن المقاومة و الممانعة و المؤامرة و العصابات المسلحة، مباريات لا تلامس الواقع في شئ بل تهدف فقط إلى الحفاظ على الوضع القائم و كسب إعتراف بأسطورة المندسين و المسلحين التي قام بخلقها، و التي يعتبر المؤتمرين مجرد شهود زور عليها.
لا أعتقد أن أحداً من المجتمعين اليوم في مجمع صحارى قد لحقه يوماً ما أيُّ ضرر من النظام السوري، أو أن له قريبٌ معتقل أو جريحٌ أو شهيد، و لا أعتقد أن مصالح أياً من هؤلاء قد تضررت بما قام به النظام في المدن السورية أو خسر نتيجة لذلك حتى قرشاً من أمواله، كما أنه لا أحد من أقارب الشهداء و من الجرحى و المعتقلين قد فوضهم بتمثيله، فهم لذلك لا يمثلون إلا أنفسهم، و ما يقوم بها النظام يصب في مصلحتهم، لأنهم يرتبطون به بصورة عضوية، و المظاهرات التي تخرج في سوريا حتى اليوم لا تعنيهم في شئ إلا بالقدر الذي تؤذي النظام، و بالتالي تلحق الأذى بمصالحهم ، إلا إذا كانوا بحسب تعريف الثورات هم: الفئة الإنتهازية التي ترغب بجني ثمارها.
إن الأطراف المجتمعة اليوم للتحاور في مجمع صحارى ليست في الحقيقة سوى طرف واحد قام بتوزيع الأدوار على نفسه،و يقوم بالتفكير بصوتٍ مرتفع ليسمع هذا الصوت لإطرافٍ خارجية من ضمنها معارصة الخارج، لأن صوت النظام الحقيقي، مثله مثل وجهه الحقيقي، يسمعه الشعب السوري و يراه بوضوح عبر فوهات البنادق.

الفقاعة الإعلامية التي يقوم النظام اليوم بتفجيرها في مجمع صحارى لن تروي ذرةً من الروح السورية المتعطشة للحرية، و صراخه مهما إرتفع لن يتجاوز جدران القاعة التي يعقد فيها لقاءه، فما تحتاجه سوريا أمطار غزيرة و سيول تغسل كل الآثام التي إرتكبها النظام، بعد أن تجرفه أولاً، و هو ما تقوم به الثورة السورية الآن.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…