وأخيراً تمزّق آخر ثوب لسياسة التوسّل (في ذكرى الإحصاء الاستثنائي العنصري)

جان كورد

بات التظاهر الشعبي تحت قيادة حزب من الأحزاب الكوردية السورية أو مجموعة منها في هذا اليوم المشؤوم (5 أوكتوبر) من كل عام بمثابة “عادة نضالية“، حيث يخرج الكورد إلى شوارع العاصمة دمشق أو في المدن الأوربية مطالبين باعادة النظر في ملف مئات الألوف من إخوتهم وأخواتهم الكورد المجرّدين بقانون الاحصاء الاستثنائي العنصري لعام 1962 ومؤكدين على عملهم الدائم من أجل “وحدة البلاد السورية”وتعميق“الأخوة العربية – الكوردية” إلى جانب المطالبة الروتينية بالافراج عن المعتقلين السياسيين وبخاصة الكورد منهم والدعوة إلى الإصلاح السياسي عبر توافق مكوّنات المجتمع السوري الواحد، وما إلى هنالك من شعارات رنانة وطنانة ترفع في مثل هذه التظاهرات، التي تنتهي كالعادة بالتباهي بقوة هذا الحزب / المجموعة بالقدرة على حشد الجماهير على الباب للتوسل من أجل ما هو حق….

الحركة القومية الكوردية “السورية” تدرك بأن أسلوب التوسل هذا لن يجدي هذا العام كما لم يجدِ خلال ال44 عاماً التي مضت وبأن حزب البعث العربي الاشتراكي لن يتخلى عن هدف تعريب الشعب الكوردي مطلقاً ولن يتوقف عن إحداث مشاريع أخرى، فيما اذا سنحت له الفرصة، للقضاء على كل ما هو كوردي في هذه البلاد، مثله مثل الطورانية التوركية الحاقدة العنصرية… ويدرك زعماء هذه الحركة قبل غيرهم أنهم لم يجنوا شيئاّ من الوعود التي رافقت تحالفهم مع النظام لانهاء انتفاضة آذار 2004 التي كانت نتيجة حتمية لسياسة البعث الاجرامية في سوريا، وبأن مسلسل العلاقات الحميمة مع رجالات ونساء النظام بهدف اقناع البعث الحاكم بخطأ سياسته تجاه الشعب الكوردي، بعد تلك الانتفاضة وإلى الآن، قد بعث اليأس من سياستهم غير المنتجة هذه بين صفوف الشعب الكوردي، ولكن بعضهم قد وضع أصابعه في أذنيه وغشاوة على قلبه حتى لاتصدمه هذه الحقيقة بقوة، وسيستمر 44 عاماً أخرى في هذه السياسة اللامجدية، إن منحه الشعب الكوردي ثقته… إلا أن الشعب الكوردي قد يئس من عبور هذه المتاهات والمستنقعات والمسالك الوعرة، ولا يريد سوى السير على طريق صحيح ومستقيم يؤدي به إلى إنهاء هذا الاجرام الكبير بحقه، حتى ولو كان هذا السير برفقة الشيطان ذاته….
44 عاماً من الحوار غيرالمتكافىء بين زعامة كوردية ضعيفة، مسنّة وغير منتجة وبين نظام مستبّد، مناور ومخادع، يلعب بمشاعر الكورد ويدخلهم المرة تلو المرة في سراديب النفاق والدجل، وكأنه ساحر يسحر أعين الناس… وللحقيقة نقول: ” لو أن عشر ما يمارسه البعث من مظالم بحق الشعب الكوردي مورست بحق شعب آخر لرأيته يثور ويتفجّر حقداً مدمّراً على رؤوس المستبدين به، ولرأيت زعماءه ورجاله يتصدرون المنابر الدولية ليعلنوا للملأ عداءهم التام للظالمين، ولظهر بالتأكيد منهم من أعلنها حرباً شعواء على النظام الذي يستهدف اجتثاث وجود شعبه“… ولكن مع الأسف فإن زعماء شعبنا يدفعون بجماهيرهم إلى التظاهر بهدف استجداء الحقوق المغتصبة، ولسان حالهم يقول:”هذه المرًة سيرحمنا الظالم وسيسمع نداءنا السلمي وسيعيد لنا حقوقنا!” وماذا يكون ردّ الغاصب المحتل الآثم الفاشست: ضرب على الرقاب واهانة المواطن وترهيبه واطالة أمد مظلوميته وعنائه وشقائه وانكاره، كما حدث في هذا اليوم الأغر..

وإذا ما سألت هؤلاء الزعماء الغيارى على الوحدة الوطنية والأخوة الكوردية – (….؟؟!!) عما إذا كانوا يعلمون ردّ فعل المعتدي سلفاً، فسيجيبون بالتأكيد:” طبعاً، نحن نعلم تصرفات الحاكم، ورد فعله على التظاهر السلمي!”..
وإذا ما سألتهم:” إذاً، لماذا ترسلون هؤلاء المساكين من الضحايا إلى المقصلة، طالما تعرفون النتيجة سلفاً؟
فسيقولون مبتسمين:”نحن نناضل عملياً من أجل الحرية والديموقراطية!“…                                  

وإذا ما سألتهم:” وهل تريدون اسقاط الدكتاتورية؟
فسيجيبون بحسم لامثيل له:” نعوذ بالله من مثل هذا الكلام! من قال بأننا نريد اسقاط النظام العربي التقدمي الاشتراكي الأبي؟… نحن نؤمن بالإصلاح من خلال التوافق بين مختلف مكونات المجتمع (بما فيه البعث العنصري!)…”

وإذا ما تمكنت من إلقاء سؤال آخر كهذا:” وأين كانوا حاملوا اعلانات دمشق؟ هل شاركوا مع الكورد المساكين في التظاهرة وانكسرت الخيزرانات على رقابهم أيضاً؟” فسيبهت هؤلاء الزعماء يوماً أو يمين، ثم سيعودون للحديث بحرارة ليس لها مثيل عن الروح الرفاقية الفائقة في صفوف “إعلان دمشق” الذي أكل عليه الدهر وشرب، وكأنهم فتحوا الأندلس ثانية… 

إنها سياسة الاستجداء، سياسة الاسترحام، سياسة الجلوس على العتبات غير المقدسة، ولا حياة لمن تنادي…

ولذا فإنني لم أجد لنفسي مبرراً كافياً للسفر إلى بروكسل البلجيكية للتظاهر الذي يعلو وجهه الرياء… فمن جهة نرفض اسقاط النظام بأيدي قوى الحرية والديموقراطية المسالمة، ونتهم كل من يفكر في هذا الاتجاه بأنه “مستقو بالأجنبي!” أي أنه خائن للوطن!… ومن جهة ندعو العالم ليقف معنا ضد النظام، أو بالأحرى نطالب العالم أن يقتنع مثلنا بأن هذا النظام الدكتاتوري سيستجيب لاستجدائنا هذه المرة… وقد استجاب هذه المرة حقاً بأن كسّر أضلع أبنائنا وإخوتنا وأنزف الدم من عيونهم، وأرعبهم وأهانهم واعتقلهم، وسخر من زعمائنا الذين لازالوا يأملون في أن يصلح الطاغوت نفسه أشنع سخرية، عندما هاجمت كلابه على المتظاهرين لتمزّق آخر ثوب من أثواب “سياسة الاستجداء” وتعريها في وسط العاصمة: دمشق.

05.10.2006

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…