من أجل حوار وطني شامل..

افتتاحية جريدة آزادي
  بقلم: رئيس التحرير

منذ منتصف شهر آذار المنصرم ، أي غداة بدء النهوض الجماهيري العارم الذي تشهده البلاد من أقصاها إلى أقصاها ، والذي تتسع دائرته على شكل تظاهرات واحتجاجات سلمية تعم المدن والبلدات وحتى الأرياف السورية ، لتعبر في موقف واحد وصف واحد عن رفضها للاستبداد ولسياسة القبضة الحديدية المتسلطة على رقاب عموم المجتمع السوري لعقود خلت ، والتي صادرت الحريات العامة ومارست صنوف انتهاكات حقوق الإنسان ، وهدر حق المواطن في حياة تليق به ، وإذلال الشعب السوري بكل مكوناته وانتماءاته القومية والدينية والسياسية ، عبر القمع وكم الأفواه لأصحاب الرأي والموقف السياسي والزج بالمناضلين في السجون والمعتقلات واحتكار السلطة والثروة ونهب موارد البلاد وخيراتها والاستيلاء على مقاليد الأمور كبيرها وصغيرها ،
 هذا فضلا عن مواجهة الحراك السلمي والصدور العارية بأساليب القمع الوحشي وصولا حتى استخدام الذخيرة الحية والتنكيل بالمتظاهرين، ليفوق عدد القتلى – بحسب وكالات الأنباء – على الألف وخمسمائة شهيد وعدد الجرحى والمفقودين والمعتقلين يقدر بعشرات الآلاف بالإضافة إلى الأسر والعائلات التي تشردت في الداخل وحتى خارج حدود البلاد ..ومع استمرار هذه المآسي والويلات ، وتصاعد وتيرة الاحتجاجات والمظاهرات ، يصدر النظام بين الحين والآخر مراسيم وقرارات وأحيانا تشكيل لجان أو هيئات إما لصياغة شكلية لمسودة قانون بهذا الشأن أو ذاك ، ولجنة أو هيئة ابتغاء ما أسماه بالحوار أو ما إلى ذلك من القضايا والمسائل ما يدعيها النظام من إجراء إصلاحات أو ما شابه ، وإزاء كل ذلك ولكي تكون الأمور واضحة بين المجتمع السوري وبين النظام لا بد من الوقوف مليا على جوانب ومسائل تقتضي الشرح والتوضيح ، منها :

1- أن النظام يقر بالفساد لكنه لا يقف عند أسبابه الموضوعية بغية قطع دابره ، وإنما يسير دوما نحو التعاطي مع نتائج هذا الفساد ، أي أنه يسعى في الجزئيات أحيانا أو محاسبة صغار المفسدين أحيانا أخرى للتغطية على عوامله البنيوية في طبيعة النظام الاستبدادي القائم أصلا على الفساد .
2-  إن كل ما يصدر عن النظام حتى الآن يأتي في صيغة ادعاء بقبول تلبية المطالب وليس التوجه نحو معالجة الأزمة التي تلف البلاد ، كون الجماهير ومعها القوى الوطنية عامة تسعى لأن تكون هي صاحبة القرار ، أو على الأقل أن تكون مشاركة في صنعه لا أن يأتي من علٍ ، وعلى ألا يظل النظام هو سيد القرار يفعل ما يريد أو يترك ما يشاء .
3- ما صدر من مسودات قوانين أو قرارات حتى الآن لا تخرج في سياقها الجوهري عن خدمة طبيعة النظام وتوجهه الاستبدادي ، مثال ذلك قانون الانتخابات الذي نشرت مسودته في وسائل الإعلام الرسمي منذ حين ، لم يغير فيه ما يستحق الذكر ، بل لم يطرأ عليه أي تغيير للتفاعل مع التوجهات المستجدة ، أو الاستجابة الموضوعية للتطلعات الوطنية في هذا الصدد ، بل لا زال يحافظ على طبيعته للتحكم بالفوز والنتائج ..
4- وفيما يتعلق بالحوار الوطني الذي شرطه الأساس أن يكون متكافئا ، ذاك الذي لا يعقل أن يرفضه أي مهتم بالقضايا الوطنية العامة والخاصة ، لأنه لغة العصر والاحتكام إلى العقل والمنطق ، الحوار الذي يقتضي معرفة مشتركة في المفاهيم والمسلمات ، ووضع مقدمات ومستلزمات ضرورية لنجاحه ، أما ما يتعلق منه بالهيئة التي شكلتها السلطات لهذا الغرض ، فهي بالأساس معروفة بثقافتها المحافظة ، ولا تزال تحمل في أحشائها عقلية الحرب الباردة ، وهي أبعد من أن تستجيب لثقافة العصر ولغته الحوارية ، أي أن الأمر جملة وتفصيلا لا يمت إلى الحوار بصلة ، وإنما يأتي على شاكلة ميكانيكية ، للاستماع ومن ثم الإملاء ، كما لا يمكن أن يكون الحوار متكافئا طالما أن المادة الثامنة في الدستور ماثلة ، مما يعني أن النظام يتجنب الدخول في أي شكل من أشكال الحوار المنشود ..
5-  من أولويات الحوار أن يكون هناك اعتراف متبادل بين المتحاورين ، فكيف يمكن لطرف أن يحاور آخر دون الاعتراف به أو تسميته ، بمعنى على النظام واجب الاعتراف بالمعارضة الوطنية وقواها السياسية ، وكذلك بالشعب الكردي وحركته السياسية ، وعلى أن يكون ذلك علنا عبر وسائل الإعلام الرسمية المرئية والمقروءة والمسموعة ..
6- وقف أعمال العنف ورفع كل مظاهره ، وسحب الجيش من مراكز المدن والبلدات ..
7-  الإقرار بشرعية التظاهر والاحتجاج السلمي الذي نص عليه دستور البلاد وتقره الشرائع والقوانين الدولية ..
8-  التطبيق العملي للمرسوم الخاص برفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية ، والإفراج الحقيقي عن كافة معتقلي الرأي والموقف السياسي ..
9- الإقرار بقبول صياغة دستور عصري جديد يقر بالتعددية السياسية والقومية من عرب وكرد وسريان ..الخ واعتبارها مكونات أساسية للمجتمع السوري ، وحل القضية القومية للشعب الكردي في إطار وحدة البلاد .
10-  السماح للأحزاب والتيارات السياسية ومنها أحزاب الحركة الكردية بممارسة نشاطها علنا لحين صدور القوانين الخاصة بالحريات العامة ومنها قانون التنظيم السياسي والنقابي ..
11-  الدعوة لعقد مؤتمر وطني شامل لكل أطراف المعارضة الوطنية يتم الحوار عبره بهدف حل أزمة البلاد عامة ، وأداء مهامه في صياغة الدستور والقوانين والمهام الوطنية والقومية الأخرى ..
وبذلك يمكن تحقيق التوافق الوطني المنشود ، الذي يضع الأسس اللازمة لبناء حياة سياسية جديدة ، تؤسس للدولة المدنية الحديثة ، التي تنهي الأزمات وترسي القواعد العامة للديمقراطية وتحقق العدل والمساواة بين ألوان الطيف السوري ، وتضمن التداول السلمي للسلطة ، ويكون الجميع شركاء حقيقيون في السلطة وثروة البلاد ، على قاعدة سوريا لكل السوريين وليعيش الجميع على تعزيز مبدأ التآخي والتعايش بأمن وسلام ..


13/6/2011

* جـريدة صـادرة عـن مـكـتب الثقـافـة والإعـلام المـركـزي لحــزب آزادي الكــردي في ســوريا – العدد (434) ايار 2011 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…