دمشق وسقوط الفاشية الأخير؟

  كفاح محمود كريم

       ما يجري اليوم في بلاد الشام يذكرنا بأحداث العراق وسلوكيات النظام طيلة ما يقرب من أربعين عاما، ولعل أكثرها اشمئزازا تلك المشاهد التي كان يبثها تلفزيونهم عن أب قتل ابنه لتخلفه عن الخدمة العسكرية، طالبين من كافة الآباء والأمهات تقليد هذا الرجل وإشاعة القتل والجريمة دون محاكمة داخل المؤسسة الاجتماعية الأكثر قدسية، مثلها ظهر على شاشات التلفزة في جناحهم الذي يحتضر في دمشق حينما اظهروا والد الطفل حمزة الخطيب بعد ان قابله وريث الحكم في سوريا!؟
  

    المشهد هنا في دمشق وشقيقاتها الشاميات لا يختلف عنه في العراق أبان حكم جناح حزب البعث الآخر بقيادة صدام حسين طيلة عقود من الزمان، حيث اعتمد ذات الحزب في كلا البلدين على مبدأ إقامة الدولة الأمنية المخابراتية الاستبدادية بديلا عن الدولة المدنية المتحضرة، وربما قراءة سريعة لمقارنة أولية بين الجناحين الساقط منهما والذي يحتضر الآن تظهر لنا هذه الحقائق الأولية:
   أعداد العاملين في الأجهزة الخاصة بالنظام السياسي في سوريا وما يقابلها في العراق أيام النظام السابق:

  
850000 عضو في حزب البعث السوري يقابله في العراق ما يقرب من ثلاثة ملايين.
600000 عنصر في أجهزة الامن السوري يتوزعون على 12 جهاز، وفي العراق مضروبا في ثلاثة ولكن في ستة أجهزة رئيسية.
2000000 مليونان فرد من العلويين، وفي العراق لم تكن أسرة الرئيس تقبل توسعا لكي لا تقل الامتيازات!
250000 مهجر ممنوعين من العودة إلى سوريا، يقابلهم أكثر من عشر أضعافهم لغاية سقوط النظام.

    أكثر من 5000 معتقل رأي في سوريا، وفي العراق استبدلت السجون والمعتقلات بالمقابر الجماعية للسياسيين، وأطلق النظام سراح ما يقرب من ثلاثمائة ألف سجين جلهم من المجرمين العتاة في عملية تبييض السجون قبل سقوطه بعدة أشهر!؟
    أكثر من 30000 قتيل في مذابح حماة وتدمر وحلب، وفي العراق فقط في حلبجة خمسة آلاف شهيد خلال ساعات، وأكثر من مليون قتلوا في كوردستان والاهوار والعراق عموما منذ توليهم السلطة في تموز 1968م.
   عشرات آلاف المفقودين الذين لا يعلم أهاليهم شيئا عنهم لعقود، ومئات الآلاف من الكورد الفيليين الذين تمت إبادتهم بالكامل، مع مئات الآلاف من الكورد الذين سيقوا الى صحراوات الجنوب والوسط ودفنوا أحياء في مقابر جماعية تم اكتشاف العديد منها.

    هذا هو شكل ومشهد الدولة او النظام الذي تم تأسيسه هنا وهناك،  لا يعترف بغيره ولا يعرف شيئا اسمه الآخر الا اللهم لأغراض تكتيكية، كما حصل في تحالفاته وجبهاته الهزيلة مع بعض القوى الوطنية المعارضة التي أسقطها في فخه لينتقم منها شر انتقام، حيث اعتمد الميكافيلية فكرا وسلوكا حتى مع أعضائه كما حصل مع ميشيل عفلق في دمشق ومع عبدالخالق السامرائي في بغداد، وكذلك مع الدول التي أجرى معها تحالفات إستراتيجية، كما كان يدعي ثم ما لبث ان انقلب عليها وحاربها، مثل ما حصل مع ايران ولبنان والكويت وقبلها مع السوفييت او دول الخليج او بقية الجيران ودول اوربا.

    لقد أقام النظامان دولة شعارات طنانة استخدمت لأغراض الاستهلاك المحلي والاستثمار السياسي، وبالذات تلك التي تتعلق بالوحدة العربية وتحرير فلسطين والدفاع عن الأمة العربية، التي كانت تخفي ورائها حقيقة أخرى هي الاستماتة في الدفاع عن شخص القائد وثلة من رجاله فقط للسيطرة على مفاتيح السلطة والمال، حيث أثبتت الأحداث خلال الأربعين سنة الماضية ان الدولتان كانتا أكثر دول العرب إيذاء للقضية الفلسطينية وأكثرهم زرعا للفتنة والشقاق والتشرذم في الصف العربي بما باعد العرب عن بعضهم وجعلهم أعداء متخاصمين، بل ان النظامين كانا أكثر دول العالم ايذاءً لشعوبهم ودمارا لدولهم؟

    وبدلا من ان يصدقا في تطبيق سطر واحد من أدبياتهم فيما يتعلق بالأمة العربية ومصالحها العليا، عملا على إشاعة الثقافة القبلية والتطرف المذهبي فكان النظام في بغداد وشقه الآخر في دمشق نموذجا للتسلط القبلي او الأسري المتوارث منذ مئات السنين، بل أضافا اليه انحيازا مذهبيا جليا وهما يدعيان علمانيتهم وتقدمية أفكارهما، وشتتا الأمة العربية ودولها وجعلوهم في أسوء حالاتهم عبر التاريخ؟ 

   ان ما يحدث الآن في دمشق وشقيقاتها من مدن سوريا يذكرنا بتلك المدن التي تعرضت على أيديهم للتدمير والإبادة، وليست حماة ببعيدة عن ذاكرة الأهالي هناك كما هي حلبجة والاهوار وآلاف القرى التي دمرها جناحهم في بغداد، وليست ميكافيليتهم وقراراتهم الكاذبة بعيدة عن أذهان الأهالي منذ اتفاقية آذار عام 1970م التي مسخوها مع قانونهم للحكم الذاتي، الى قراراتهم الأخيرة في دمشق حول تجنيس مواطنيهم الذين اسقطوا جنسياتهم واعتبروهم نزلاء فندق، او كما أعلنوا قبل أيام في إطلاق سراح السجناء وتنظيف سجونهم لكي تستقبل آلافا مؤلفة أخرى او ربما الاستعاضة عنها بمقابر جماعية كما فعل إخوتهم الأعداء هنا في العراق.

   وإذا كان البعض يعتقد إن الجناح العراقي لحزب البعث قد سقط ابان الاحتلال الأمريكي فهو واهم تماما، لقد سقطوا قبل ذلك بكثير حينما خانوا شعبهم وغدروا بمن أمن بهم، وحنثوا بإيمانهم وتفردوا بالسلطة وقتلوا الأطفال والنساء والشيوخ، وهم كذلك في سوريا سقطوا منذ جردوا مواطنيهم من الجنسية وقصفوا حماة ودرعا وقتلوا حمزة الخطيب، وما هي إلا زمن قصير ويعلن سقوطهم الى الأبد!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مع اقتراب الحادي والعشرين من آذار من كل عام، تتجه أنظار ملايين الناس في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى عيد عريق يحمل في طياته معاني التجدد والانبعاث. إنه نوروز، العيد الذي يحتفل به العديد من شعوب المنطقة باعتباره بداية الربيع وبداية عام جديد في الذاكرة الثقافية والحضارية. غير أن لهذا العيد معنى أعمق وأكثر خصوصية لدى الشعب الكوردي،…

خالد حسو تشكل المواقف الإيجابية الصادرة من الأفراد والشخصيات العربية وغير العربية، والجهات الرسمية وغير الرسمية تجاه القضية الكوردية والشعب الكوردي مؤشراً أساسياً على إمكانية بناء حوار سياسي مسؤول ومستدام. كل خطوة إيجابية، مهما كانت محدودة، تُسهم في تعزيز التفاؤل وتبث روح الأمل بين جميع المكونات، وترسخ مفهوم الشراكة الوطنية القائمة على العدالة والحقوق المتبادلة. هذه المواقف تعكس إدراكاً مشتركاً…

اكرم حسين في تاريخ الشعوب والثورات، هناك رموز تتجاوز أدوارها السياسية المباشرة لتصبح علامات فارقة في مسار الوعي الجمعي ، ومن بين هذه الرموز، يبرز اسم الشهيد مشعل التمو كحالة إشكالية تتحدى القراءات الاختزالية، وتضعنا أمام ضرورة تفكيك العلاقة بين القومي والوطني، الهوية والمواطنة، المشروع السياسي والعمق الوجودي. استحضار مشعل التمو اليوم يضعنا أمام مسؤولية كبرى ، إما أن…

عبداللطيف محمدأمين موسى في خضم زيادة منحى الصراع وتعدد مساراتها، تبقى وتيرة الصراع العسكري مرشحة للتوجه والاتساع نحو مزيداً من التعقيد، من خلال زيادة التوقعات واحتماليات اتساع الصراع لتشمل بلورة تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لتأمين ممرات مرور الطاقة في مضيق هرمز، وكما تُشير أغلب التوقعات لدى مراكز الدراسات المتعلقة بالأمن القومي في زيادة احتمالات توجه الولايات المتحدة الأمريكية…