مؤتمر انطالية: اتهامات جاهزة وخصوم جاهزون

فدوى كيلاني
 
يكثر الحديث هذه الأيام ، عن مؤتمر المعارضة السورية، المنعقد في انطالية ، بين مؤيد ورافض ، فمنهم من يجده نتيجة طبيعية للثورة السورية التي بدأها أبناؤنا في كل المدن السورية ، ويراها بعضهم الآخر دخيلاً على الثورة ، وإن من دعو إليه ليسوا إلا مجموعة لا شأن لها .

إن أي تأمل للوضع السوري بشكل عام، يستدعي القيام بالمزيد من المبادرات ، لأن الدم المسفوك في سوريا باهظ جداً، وإن النظام الذي بدأ حتى الآن بقتل حوالي ألف ومئة شهيد ، منهم من استشهد تحت التعذيب ، وتم التمثيل بجسده ، وبطريقة مروعة ، تقشعر لها الأبدان ، لا يمكن أن يقوم بها أي نظام دموي في العالم ، وهذا ما يسجل للنظام السوري امتيازاً في الوحشية تجاه أبناء سوريا الأبية .
وإذا كان النظام قد قام بحربه الظالمة ضد شعبه لمجرد المطالبة بالإصلاح ، فإن هذا النظام راح يتصرف بعقلية قديمة ، لم يعد يقوم بها أي نظام استبدادي تجاه الشعب ، نظراً لسقوط تلك اللغة الدموية في كل أنحاء العالم .
ولقد لعب النظام دوراً سيئاً جداً من خلال الاعتماد على من اشتراهم بالمال أو المناصب ، ليشوهوا صورة الثورة والثوار ، ويصوروهم أنهم مجرد سلفيين إرهابيين ، ليغطي على جرائمه البشعة التي تتم وكانت الدعوة إلى انعقاد مؤتمر في انطالية ، بعد محاولات عدة لانعقاده في أماكن أخرى ، من بينها القاهرة فكرة ممتازة ، تأتي استجابة لضرورات الثورة ، لتشكل ترجمة لنبضها ، ولتكون إحدى محطات المعارضة السورية لمواجهة نظام الاستبداد .
بعض الأخوة قسا جداً على المؤتمر ، منهم فعل ذلك لأنه تم إقصاؤه، أو لأنه لم يكن رئيس المؤتمر ولا من لجنته التحضيرية ، وبعضهم رأى أن وجود أشخاص انتهازيين ، نحن نعرفهم اسماً اسماً ، ربما موجودون حتى من بين اللجنة التحضيرية، أو من بين المدعوين وهم صيادو المناسبات ، ويريد بعضهم الاتجار بالدم ، دون أن يكون مستعدا للتنازل عن مكسب صغير يحصل عليه في منفاه الاضطراري ، أو غير الاضطراري ، ومعروفون بسلوكهم السياسي الانتهازي المنحرف ، وهم القلة  بالطبع، ولكن مقابل هذا النموذج يوجد أناس مناضلون نعرفهم عن قرب من خلال مواقفهم الحقيقية  قبل عشرين سنة ، مثلاً ، أو أكثر ، وإن كان هناك لهم أعداء وخصوم  “خصومة أبناء الحارة الواحدة”، إلا أن أي واحد من هؤلاء الذين يسجلون على مثل هذا الصنف من المناضلين مآخذه ، فإن هو الآخر عليه مآخذ ربما أكثر ، ونعرف الكثير من هذه المآخذ .
بعض الأخوة تحدث بلغة قاسية وهم عرب وأكراد ، ضد المؤتمر، شهروا سلاحهم قبل أن يعرفوا ماذا سيفعل، وغرفوا من “خرج” الاتهامات المسبقة التي تشترك فيها المعارضة مع النظام، وأقصد البعض غير المنضبط من المعارضة، وكانوا ظالمين لغيرهم ، وفعلاً سررت لأن الأخوة القائمين على المؤتمر كانوا يتمتعون بالكثير من الصبر ، لأنهم لم ينجروا للمهاترات .
معلوم أن الحكومة السورية سوف تحاول أن تخلق أجواء للضغط على هؤلاء، من خلال إلحاق الشبهة بهم أو تشويههم ، وهناك من يدري ولا يدري فيزيد الطين بلة ، ويتشابه موقفه مع موقف النظام ، وذلك تحت شعار: من أين تمويلهم ؟ لم تركيا ؟، ثم يجتهد كل واحد في وضع فرضيات باطلة للنيل من المؤتمر وأصحابه، وكثيرون وبعض من هؤلاء بالذات يعيش على مساعدات التمويل الإنسانية، وغيرها؟؟؟؟
وهل يسألون مقابل ماذا ؟ ثم إن كثيرين منهم اعتمدت أحزابهم على أنظمة معادية للكرد ، وللعرب ، أو إنهم مستعدون للحوار مع “تركيا” مباشرة لو فتحت لهم المجال ، لأنهم فعلوها مع أنظمة أكثر دموية ، والغريب أن يتفنن بعض الكتاب بالألفاظ ويصور مؤتمر انطالية جريمة كبرى ، وهو مستعد أن يكتب غير ذلك لو أوعز له بالعكس، لقد حاول أخوتنا الكرد في جزئين من أجزائها عقد علاقات مع نظام الاستبداد على حسابنا، ودون اكتراث بنا، مع أن العلاقات مع الأنظمة مرفوضة عندنا، ومرفوضة في قاموس المؤتمر والمؤتمرين، مع أننا بسماحتنا نعفو عنهم ولكن لا نريد أحدا منهم أن يفرض رؤيته علينا فيما يخص جزئنا مع أن كل الأجزاء واحدة، إلا أنهم أنفسهم كل يعمل من أجل جزئه.

كان على الجميع أن ينتظر مؤتمر انطالية ، وما يتمخض عنه، من نتائج ، ومن ثم كان  عليهم أن يحكموا –يشوفو الصبي ليصلوا على النبي-، لا أن ينطلقوا من أرض هشة، وذهنية فلاحية اتهامية، وإنني أعتب على أحزابنا الكردية التي لم تشترك في المؤتمر ، وقاطعته، ولم تستفد منه، وذلك ليس للأسباب المعلنة قطعاً، وهو ما لا نريده لأحزابنا القديرة التي كنت ذات يوم عضواً في أحدها، وقد عملت ما في وسعها، في مرحلة عصيبة ، خلال عقود من الاستبداد، وهذا ما يسجل لكل من عمل بإخلاص وتفان ضمن تلك الأحزاب .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…