عن القتلى والكتّاب

طه خليل

في المنعطفات الكبيرة تبدو الجسارة على هيئتها الحقيقة, الجسارة قد لا تعني القوة..

والجسور لا يعني القوي دائما..

وما يحدث في البلد الآن منعطف يحتاج لجسارات كثيرة.

جسارات ثقافية وفكرية تعي ما حدث ويحدث, فالمستجدات التي تطرأ على الدول العربية ما هي إلا نهضة ثورية عفوية, وان كانت لا تستند إلى برامج أو برنامج محدد بعينه, بل قد تفسره الأمثلة الشعبية التي رددناها لسنوات من مثل : “الضغط يولد الانفجار” وكان حريق بوعزيزي ضغطا نفسيا ويأسا مريرا من حالة أمة تفسخت وتنتنت حتى صارت مضربا للمثل في الخنوع والقمع والتهميش والنيل من كرامة الإنسان, الكرامة التي استباحها القادة كل وحسب رؤيته, بعضهم تحت مسمى التنمية وبعضهم تحت مسمى البناء وبعضهم تحت مسميات من مثل التصدي والمقاومة والمواجهة, وما إلى ذلك من مصطلحات لم تكن تعني إلا المزيد من القهر والبطش وتسويغ لحالة القتل الممنهجة للشعوب العربية.
والحالات تتشابه في كل الأقطار العربية, من حيث حجم الرفض الشعبي لاستمرار حالة القمع التي دمرت روح الإنسان, وان كان الكل يردد :” مصر مو تونس وليبيا مو تونس ومصر..

وسوريا مو مصر وتونس وليبيا..” وهلم جرا, وهذا صحيح إلى حد ما، أو إلى الحد الذي يفكر به هؤلاء.

لكن هناك ما يتشابه عند الكل : القمع.
في معظم هذه الثورات ظهر أناس من المثقفين وحتى المفكرين يؤازرون هذا الطرف أو ذاك،  وانقسموا الى فسطاطين, فسطاط السلطة وفسطاط الناس, رغم إن الكل كان فيما سبق يتبجح من خلال كتاباته انه مع الناس ومع الشعوب ومع المستضعفين, في مواجهة القمع والفقر.! بل ان معظم هؤلاء كان قد تبنى في يوم ما فكرا يساريا واشتراكيا, وكان يهتز لصوت الشيخ إمام ومذكرات تشي غيفارا, ونظريات الشيخ الجليل لينين.
تبدو المسألة فاقعة جدا في سوريا..

و واضحة أكثر من كل الدول الأخرى, فقد بدت الاصطفافات وتبلورت منذ الأيام الأولى : من يقف مع من .؟
عاشت النخب العربية المثقفة في معظمها الكثير من الانكسارات، ومع الأيام راحت تتعود على حياة الذل, وانغرس الخنوع في أعماقها طويلا, وان بدت في شكل مغاير, في كتاباتها وإبداعاتها، فالفنانون السوريون ظلوا على مدى سنوات يفتخرون بأعمالهم التي تمس حياة الفقراء و المهمشين, وكان جهابذة النقد الدرامي مثلا يتفاخرون بمستويات الفكر التقدمي في أعمالهم مقابل الدراما المصرية ، كانوا يخفون سقوطهم الشكلي والفني بشماعة مفادها :” لكننا نطرح مواضيع تمس المواطن العربي “.

وكان المواطن العربي يغفر سوء تمثيلهم وسوء إخراجهم وسوء سيناريوهاتهم  الممجوجة :” لأنها تمس مشاكل المواطن العربي ” كما ادعوا مطولا, وحين أراد المواطن هذا أن يقف على رجليه, نبذه هؤلاء الفنانون وتنكروا له, ولم يكتفوا بذلك بل نعتوه بالمخرب مرة والإرهابي مرة ومرة بالعمالة؟ العمالة لمن..؟ طبعا لإسرائيل, في الوقت الذي يحلم بعض من هؤلاء المعتوهين من الممثلين والمخرجين أن يمثلوا في تل أبيب, هكذا فجأة صار ذلك المواطن الذي كتبوا له, عميلا , خائنا, بائعا لوطنه العظيم.
وهذا ما انسحب على بعض الكتاب والصحفيين السوريين،ــ وان كان بنسبة اقل من شريحة الفنانين الانتهازيين عبدة المال الحرام ــ  ولعل فضائح ” المحللين الاستراتيجيين السوريين على الفضائيات ” قد جعلت بعضهم ( اقصد شريحة الكتاب ) أن يتروى قليلا  قبل أن يظهر وجهه الحقيقي, أو الثاني الذي أخفاه لسنوات طويلة.


يدهشني أن كاتب سوري للقصة القصيرة مثلا:  ينشر في صفحته الفيس بوكية كل يوم و ” يجاهد ” ليظهر أن اوباما يتآمر على سوريا, وان المتظاهرين (أو قسم منهم) يسير حسب خططه, ويغمز من قناة كتاب آخرين حاولوا أن يحزنوا قليلا على مشاهد الدم الذي يسيل في شوارع البلد, متناسيا انه ظل لسنوات طويلة أن يظهر بمظهر المدافع عن حقوق الناس والبسطاء، الذين يتم قتلهم الآن أمام عينيه, وبدلا أن يترحم عليهم قليلا, يكتب بعض الجمل التي تنال من دماء هؤلاء، ليعلق فيما بعد شبيحة من الكتبة مبدين إعجابهم بآرائه السديدة, ولاعنين ” العملاء الكلاب والخونة “.

الذين طالبوا بقليل من الهواء للتنفس, كل هذا تحت ذرائع واهية ومختلقة من مثل الخوف من الطائفية وما إلى ذلك من المصطلحات التي كانت جاهزة في عقولهم كما يبدو.
وآخر يكتب ويصرخ كل يوم ليقنعنا أن السعودية بتحالفها مع الإخوان هي التي وراء الاضطرابات في البلد, أو ان بندر واسرائيل او او الخ ..

وفجأة يقول هؤلاء إن الشعب السوري نصفه أو أغلبه متعامل مع إسرائيل، مع العلم ان هذا النصف كان حتى الأمس القريب شعبا ” عقائديا ” صامدا واقفا مع ” المقاومة ” ومع حماس وأردوغان وهنية ونصرالله, واحمدي نجاد أيضا.!
الأمثلة كثيرة طبعا في هذا السياق, ولا أريد أن أوردها هنا الآن،  لكنني وجدت نفسي مرغما أن أشير إلى أمثلة بعينها، فالمسألة لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بذهنية تشكلت خلال عقود وتعودت على الفوقية، والامتلاك, امتلاك البلد بما فيه من بشر وهواء وجبال وانهار وموارد ومكاتب و صحافة وشوارع ومزارع وبيوت و حتى العصافير التي تطير في سماء البلد هي تطير لهم, وتزقزق لهم, وليس من حق احد أن يفتح نافذته يوما ليرى ما حوله, حرام علينا حتى جمال بلادنا, أو هكذا توهموا طويلا.

لذلك حين شعروا اليوم أن هؤلاء المهمشين نهضوا ليطالبوا ببعض الهواء والحرية, استكثروها عليهم، ــ ” فهم مجرد جرذان ومقملين على قولة الاخ القذافي” ــ وباركوا قتلهم، وان لم يقولوها علانية, فالساكتون عن هذا القتل إنما هم من يباركه, ولا مجال لحل وسط ها هنا, فهم ومن يقتل قد كرروا بأنفسهم: أما أن تكونوا معنا في قمعنا, ترضون بأحذيتنا تدعس ظهوركم, وأما أن تكونوا من الكافرين وعلينا قتلكم, وتطهير الأرض منكم.
اعتقد إن الكتابة هي مسألة أخلاقية قبل كل شيء, وهؤلاء الذين أحبوا كتاباتنا، وترعرعوا عليها, و وعدناهم بالثورات والجنان, هم بحاجة لأصواتنا حين ينزفون في الشوارع ويموتون وحيدين, ولا يجدون إلا من يقول لهم :” تشاهد ” .
في المقابل يقف الكتاب الكرد عامة… (ولا اود ان اقول الكل ..لابتعد عن المطلق) الى جانب الضحايا من ابناء الشعب السوري, ولم يقل أحد منهم لا في السر ولا في العلن : ” لم يقف أخوتنا الكتاب العرب معنا حين سالت دماؤنا في شوارع القامشلي”.


بئس كتابات تبدو حلوة, وشيقة وهي تصف جراح  المعذبين والمقهورين.
 شيركو بيكس يقول في هذاالمعنى  ( طبعا أعتذر لعدم الدقة في المفردات مسبقا ”  فالمعنى يلزمني ها هنا ): ” لتمت قصيدتي إن كانت تبنى على جراح المعذبين.”

* كاتب  كردي سوري

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قامشلو – ولاتي مه : 6 نيسان 2026 برزت إلى العلن مؤشرات على وجود خلافات داخل قيادة حزب يكيتي الكردستاني – سوريا، عقب صدور بيانين متتاليين ومنسوبين إلى اللجنة المركزية للحزب، تضمّنا مواقف متباينة بشأن الأوضاع التنظيمية، ما أثار تساؤلات حول احتمال حدوث انقسام داخلي في الحزب. ففي 5 نيسان، أصدرت اللجنة المركزية بياناً عقب اجتماعها الاعتيادي، تناول جملة من…

شادي حاجي أزمة السياسة الكردية لم تعد عرضاً جانبياً ، بل صيرورة بنيوية . لم يعد السؤال مجرد اعتراف بالقضية ، بل قدرة من يدّعون تمثيل الشعب الكردي على الارتقاء بها . الواقع واضح : أحزاب متنافرة، برامج غامضة، وصراعات شخصية تحلّ محل المشروع القومي والوطني العام . الفرصة التاريخية التي جاءت مع الحرب السورية ذهبت أدراج الرياح بسبب…

خالد حسو وأنا أترقّب هذه العودة، يملأني أملٌ صامت بأن يأتي يومٌ أعود فيه أنا أيضًا، بعد فراقٍ طال حتى أثقلته السنوات، وامتدّ لأكثر من أربعة عقود من الزمن. أربعون عامًا وما يزيد، لم تكن مجرد غيابٍ عابر، بل مسافةً كاملة بين الإنسان وذاكرته، بين الروح ومكانها الأول، وبين القلب وما ظلّ ينتمي إليه رغم كل شيء. كان هذا البعد…

سمكو عمر لعلي يقولون إنّ بعض الظنّ إثم، غير أنّ ما نشهده اليوم يدفع المرء إلى التأمّل العميق، بل وإلى طرح الأسئلة التي طالما حاولنا تجاهلها أو تأجيلها. لقد قلناها مراراً وتكراراً: إنّ الانشقاقات التي عصفت بصفوف الأحزاب الكوردية لم تكن يوماً وليدة الصدفة، بل كانت – في كثير من مراحلها – صنيعة أنظمةٍ معادية، وفي مقدّمتها نظام حزب البعث…