إبراهيم يوسفإذن، وإذاً، هاهي الدبابات السورية تنسحب، من محطتها الأولى في الحرب المسعورة على الوطن، ولا أرغب في النظر إلى الصور التي ستلتقطها عدسات المدونين لهذه المدينة التي زرتها-مرة واحدة- والتقيت فيها الأخيار، مدينة يكاد لا يوجد فيها الكثير من الفنادق، كما التقيت- ولو عرضاً -من سيصبح الآن، وبأسف، مجرد بوق كاذب، ينافح عن مصالحه، ومكاسبه، في زمن يسمو فيه المنافق، الأفاك، والممالق، كرمى لعظم يرمى له من مائدة الفساد العامرة والرسمية.
إن صورة المدينة- في ثوب المنية، و بهذا الشكل ستكون صافعة لأي ضمير وطني، حي، يقظ، إنها صورة أم ثكلى، صورة حرة أهينت بقدم من يفترض أنه أول من يحميها، ومن يعدها أماً، وأمة، لا أمة في سوق النخاسين.
إن هذا الظهور جاء بعد البدعة الأمنية الإعلامية التي قدمت-حزمة- مصطلحات بحق من يتم ترشيحهم للذبح، وهو الأصل تكريس للفردية، ومقاومة لمن يمس حدودها، ومكاسبها، وجبروتها، وتسلطها، ولا يذعن لآلة الفساد، إنه محاولة لاستهداف كرامة المواطن التي يجب أن تهان، بعد أن وجد في-اعتصام الشارع-ما يوازي معادلته الوطنية، لئلا ينظر إليه كخروف في زريبة، بل كمواطن له حقوقه، وهذا هو جوهر الإصلاح الذي تستهدفه إرادة محرك الدبابة، الذي يريد تقديم إصلاح على مقاس غرور تلك الفردية، كي يظل عنصر الأمن مانحاً لصك الوطنية التي ترتفع أسهمها، وفق بارومتر الولاء للأمن، لا للوطن.
وكانت البدعة الأمنية التي استقرت عليها-أخيراً- هي الحديث عن “مندسين” و”إرهابيين”-الغطاء الذي لا بد منه في المعجم الأمني، ليسوغ الذبح من دون محاكمة، ومن دون قضاء، بذريعة الدعوة إلى إقامة إمارة سلفية، لا مكان لها في وعي مواطننا السوري، وأنا شخصياً ضد إقامتها حتى في جهنم، أو في جنة الله، وأعلن براءتي من أي وطن، تحت أمرة هؤلاء السلفيين، الذين لا يماثلهم إلا الاستبداد الذي جعله ” حصان طروادة” لتكريس القمع، واستمرار” قبضة الأمن” المنافي استمرارها لعجلة التاريخ، فلا غد سوري مع مثل تلك القبضة وكل مفرداتها.
ومن عجب، أن الإعلام الأمني-ومن معه من طاقم مبوقيه المنتفعين، منافقاً منافقاً، من داخل سوريا ومن خارجها، وجدوا في إظهار عدد من الشباب الذين سيعترفون بأنهم ممولون من قبل الجهة الفلانية-لعنها الله ولعن سنسفيل آبائها وأجدادها أية كانت- ولعن كل معاد لوطننا، وأن تلك الجهة أعطتهم أسلحة أمريكية..
وأن… ذلك كاف للتأكيد أن إمارة سلفية، كانت ستقام في درعا.
إن مقدرة-إعداد ستة أو عشرة أو عشرين شاباً- يعترفون بمثل هذا الكلام، كان من الممكن أن يصدق في ما لو كنا في بلد القانون، وأن هؤلاء قدموا للمحاكم، لا أن تسحب الاعترافات-عنوة منهم- بحسب طلب المحققين، أو ما هو موجود في الوصفة الجاهزة، قبل حلول 2011، وقبل العام 2000، وقبل العام…….1990 إلخ، ولقد سبق وقلت في مقال لي في العام 2004 عندما جربت هذه الوصفة علينا كردياً،ولا تزال، لو أن صلاح الدين الأيوبي ألقي عليه القبض، في شوارع قامشلي، لتم القبض عليه، لأن كل كردي هو مطلوب في عرف الجهاز الأمني، ولأضاف بأنه خطط لمؤامرة الملعب البلدي التي فرضت على الكرد ، نتيجة فتنة أمنية محكمة يكرر سيناريوها الآن في درعا، وغيرها من المدن السورية، وقد أبدع العقل الأمني في إعداد-معجم مصطلحات الخيانة- سواء أكانت على صياغة اسم المفعول: مندس أو متآمر، أو مرتبط،أو انفصالي….
و وصولاً إلى مرتبة ” سلفي”-معاذ الله- وهو قرين الإرهابي أو الترجمة الكاملة له، لتكون كلها مفردات تستباح بها مدننا، وإرادة أهلنا، وكرامتنا، وهو ما ترجم في المدينة الوادعة الطاهرة: درعا، وهو محاولة لجعل الوطن مضغة سهلة هنيئة مريئة على معدة الأعداء، وإن خيل لصاحب القبضة الأمنية أنه بهذه الطريقة، سيسلس إليه قياد العباد والبلاد، لأنه مخطئ من يظن أن إنسان عام 2011 هو إنسان عام1980 أو عام 1990، وما تم في درعا أسوأ مما تم في مصراته- التي كانت في أقل تقدير-مفتوحة أمام الإعلام، وإن كان جرم ذبح المواطن بالرصاص الوطني واحداً، هنا وهناك، ومتى وأين وأيان وكيف …كان…!
وإن كل هذا الكلام ، سيكون مسوغه -لاسمح الله – بعد أن تعود الاتصالات إلى هذه المدينة التي ستدخل -غينيس- لأنها الوحيدة في العالم انقطعت خلال الأيام الماضية، عن العالم، كله،وأنا جادّ في ما أقول- وسترى جداول أسماء الشهداء، والمنكّل بهم، والمعتقلين، والمنهوبة أموالهم، والمنتهكة كراماتهم، حيث سيبدأ الحداد الوطني، الذي نرجو ألا يتكرر في أي مكان أو زمان آخرين .
elyousef@gmail.com
المقال المقبل






