مالم تحققه الدبابة

إبراهيم يوسف

منذ مساء أمس، نقرأ قصفاً إعلامياً تمهيدياً، عن”انسحاب قوات الجيش السوري من درعا: و ياللمهزلة..!، نعم من درعا، وليس من” تل أبيب” ولا الجولان، وذلك بعد أن” حقق أهدافه” العمى…… هل هذا هو هدف جيشنا الوطني؟، وهل مقتل مواطن شريف، صاحب رأي، وتجويع طفل، نسي طعم الحليب، وسفك دم شاب، هو هدف الدبابة الوطنية، والجيش الوطني الذي نقبل من عقود بتجويعنا لتكون بطون “ضباطه” مليئة،وأقصد فاسديهم،فقط، وإن كانت بطون العساكر خاوية..و-تباً….- لمن كان وراء ذلك كله؟.
لا أريد التحدث عن أعداد القتلى الأبرياء الذين تمّ نحرهم وقتلهم، بالرصاص الوطني، فقط، لأن هؤلاء ” أصحاب رأي” ، ولا عن أعداد المعتقلين زوراً، من شمال الوطن الطيب، إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه، أو من وريده إلى وريده،  ممن تضيق بهم الزنزانات، فيتمّ رميهم في -الملعب البلدي- المطوق من قبل الجيش لركلهم ككرات آدمية، في أولمبياد جدير بالتصوير، من قبل أي طاغية سادي، مولع بالتصوير، من دون رفة جفن أو ضمير،، جياعاً مهانين، يئنون تحت سياط البرد والتعذيب، وهم بالآلاف في كل سوريا، كما تشير منظمات حقوق الإنسان الباسلة، ولا عما  ألحق بالحرائر من أهلنا في درعا- وهو ماذقنا ككرد- طعمه المرير في انتفاضة 2004 المؤودة- حين تنفتح غرف مخادعهن من قبل العسكر الذين يقودهم الدهماء عنوة، فإما أن ينفذوا –الوصفة- المرسومة، أو تخترق ” الرصاصة الوطنية جماجمهم” ميدانياً، ولا عن حالة الرعب التي عاشتها هذه المدينة الباسلة، طوال الأيام الماضية.
إذن، وإذاً، هاهي الدبابات السورية تنسحب، من محطتها الأولى في الحرب المسعورة على الوطن، ولا أرغب في النظر إلى الصور التي ستلتقطها عدسات المدونين لهذه المدينة التي زرتها-مرة واحدة- والتقيت فيها الأخيار، مدينة يكاد لا يوجد فيها الكثير من الفنادق، كما التقيت- ولو عرضاً -من سيصبح الآن، وبأسف، مجرد بوق كاذب، ينافح عن مصالحه، ومكاسبه، في زمن يسمو فيه المنافق، الأفاك، والممالق، كرمى لعظم يرمى له من مائدة الفساد العامرة والرسمية.


إن صورة المدينة- في ثوب المنية، و بهذا الشكل ستكون صافعة لأي ضمير وطني، حي، يقظ، إنها صورة أم ثكلى، صورة حرة أهينت بقدم من يفترض أنه أول من يحميها، ومن يعدها أماً، وأمة، لا أمة في سوق النخاسين.
إن هذا الظهور جاء بعد البدعة الأمنية الإعلامية التي قدمت-حزمة- مصطلحات بحق من يتم ترشيحهم للذبح، وهو الأصل تكريس للفردية، ومقاومة لمن يمس حدودها، ومكاسبها، وجبروتها، وتسلطها، ولا يذعن لآلة الفساد، إنه محاولة لاستهداف كرامة المواطن التي يجب أن تهان، بعد أن وجد في-اعتصام الشارع-ما يوازي معادلته الوطنية، لئلا ينظر إليه كخروف في زريبة، بل كمواطن له حقوقه، وهذا هو جوهر الإصلاح الذي تستهدفه إرادة محرك الدبابة، الذي يريد تقديم إصلاح على مقاس غرور تلك الفردية، كي يظل عنصر الأمن مانحاً لصك الوطنية التي ترتفع أسهمها، وفق بارومتر الولاء للأمن، لا للوطن.
وكانت البدعة الأمنية التي استقرت عليها-أخيراً- هي الحديث عن “مندسين” و”إرهابيين”-الغطاء الذي لا بد منه في المعجم الأمني، ليسوغ الذبح من دون محاكمة، ومن دون قضاء، بذريعة الدعوة إلى إقامة إمارة سلفية، لا مكان لها في وعي مواطننا السوري، وأنا شخصياً ضد إقامتها حتى  في جهنم، أو في جنة الله، وأعلن براءتي من أي وطن، تحت أمرة هؤلاء السلفيين، الذين لا يماثلهم إلا الاستبداد الذي جعله ” حصان طروادة” لتكريس القمع، واستمرار” قبضة الأمن” المنافي استمرارها لعجلة التاريخ، فلا غد سوري مع مثل تلك القبضة وكل مفرداتها.


ومن عجب، أن الإعلام الأمني-ومن معه من طاقم مبوقيه المنتفعين، منافقاً منافقاً، من داخل سوريا ومن خارجها، وجدوا في إظهار عدد من الشباب الذين سيعترفون بأنهم ممولون من قبل الجهة الفلانية-لعنها الله ولعن سنسفيل آبائها وأجدادها أية كانت- ولعن كل معاد لوطننا، وأن تلك الجهة أعطتهم أسلحة أمريكية..

وأن… ذلك كاف للتأكيد أن إمارة سلفية، كانت ستقام في درعا.
إن مقدرة-إعداد ستة أو عشرة أو عشرين شاباً- يعترفون بمثل هذا الكلام، كان من الممكن أن يصدق في ما لو كنا في بلد القانون، وأن هؤلاء قدموا للمحاكم، لا أن تسحب الاعترافات-عنوة منهم- بحسب طلب المحققين، أو ما هو موجود في الوصفة الجاهزة، قبل حلول 2011، وقبل العام 2000، وقبل العام…….1990 إلخ، ولقد سبق وقلت في مقال لي في العام 2004 عندما جربت هذه الوصفة علينا كردياً،ولا تزال، لو أن صلاح الدين الأيوبي ألقي عليه القبض، في شوارع قامشلي، لتم القبض عليه، لأن كل كردي هو مطلوب في عرف الجهاز الأمني، ولأضاف بأنه خطط لمؤامرة الملعب البلدي التي فرضت على الكرد ، نتيجة فتنة أمنية محكمة يكرر سيناريوها الآن في درعا، وغيرها من المدن السورية، وقد أبدع العقل الأمني في إعداد-معجم مصطلحات الخيانة- سواء أكانت على صياغة اسم المفعول: مندس أو متآمر، أو مرتبط،أو انفصالي….

و وصولاً إلى مرتبة ” سلفي”-معاذ الله- وهو قرين الإرهابي أو الترجمة الكاملة له،  لتكون كلها مفردات تستباح بها مدننا، وإرادة أهلنا، وكرامتنا، وهو ما ترجم في المدينة الوادعة الطاهرة: درعا، وهو محاولة لجعل الوطن مضغة سهلة هنيئة مريئة على معدة الأعداء، وإن خيل لصاحب القبضة الأمنية أنه بهذه الطريقة، سيسلس إليه قياد العباد والبلاد، لأنه مخطئ من يظن أن إنسان عام 2011 هو إنسان عام1980 أو عام 1990، وما تم في درعا أسوأ مما تم في مصراته- التي كانت في أقل تقدير-مفتوحة أمام الإعلام، وإن كان جرم ذبح المواطن بالرصاص الوطني واحداً، هنا وهناك، ومتى وأين وأيان  وكيف …كان…!

إن الدبابة السورية التي غسلها أبناؤنا الجنود، وغسلناها، وغسلها آباؤنا بمؤق عيوننا، ومهج أفئدتنا، جيلاً بعد جيل، واشتريناها بدم أرواحنا، لتحمينا، لا لتستهدفنا، نيابة عن دبابات العدو ،إسرائيلياً كان أو متآمراً أجنبياً، أية كانت هويته، وها هي تقود-هرمها- منكسة الراية، مخذولة، لأنها تتقن أبجديتها الحقيقية، وهي أن لها مهمتها النبيلة، لا أن تستخدم في إذلال وقهر مواطننا ووطننا، عنوة، وهو الأمر الذي ينبغي أن تنتبه إليه السلطات-فوراً- والكف عن مواجهة الشارع بالرصاص، بل الإذعان لمطالبه، وأسئلته، أية كانت، فلا كرسي لرجل أمن أو سيده-مخلد- باسمه، لأن توجيه الدبابة بهذا الشكل عمل لا وطني، خطر، لا نبل فيه ولا شهامة، كما أن الدبابة التي تنتصر حتى ولو خسرت في الجبهة مع العدو، فهي تخسر بل وتخسأ حتى ولو ربحت في درعا، أو أية مدينة سورية على أجندة الانتقام الأمني، فالغالب والمغلوب كلاهما من هذا الوطن، والخاسر الأكبر هو الوطن،  ولن تحقق الدبابة إلا جرحاً في التاريخ السوري، جرحاً لم يحدث له في تاريخ سوريا بكل عهودها، حتى تحت رحمة المحتل.

وإن كل هذا الكلام ، سيكون مسوغه -لاسمح الله – بعد أن تعود الاتصالات إلى هذه المدينة التي ستدخل -غينيس- لأنها الوحيدة في العالم انقطعت خلال الأيام الماضية، عن العالم، كله،وأنا جادّ في ما أقول- وسترى جداول أسماء الشهداء، والمنكّل بهم، والمعتقلين، والمنهوبة أموالهم، والمنتهكة كراماتهم، حيث سيبدأ الحداد الوطني، الذي نرجو ألا يتكرر في أي مكان أو زمان آخرين .


elyousef@gmail.com
المقال المقبل

درعا ترحب بكم

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…