بعد موته «ابن لادن» يقصف درعا

إبراهيم يوسف

لم أصدق عيني، وأنا أقرأ فجر هذا اليوم، خبر مقتل “ابن لادن”، في غارة أمريكية، مخطط لها بعناية فائقة، وفق الأخبار، وذلك بعد عشر سنوات، من البحث المضني عنه، وهو-أي البحث المضني عنه- لم أصدقه جملة وتفصيلاً، لأنني ما زلت أتذكر ما نسب إلى “نيورمان شوارزكوف” قائد “عاصفة الصحراء” في حرب الخليج الثانية، عندما قال في العام 1991 وهو يقدم استقالته،أو حين حوّل على التقاعد: “كنا على علم بعدد، ومواعد وجبات الطعام اليومية التي تقدم لصدام حسين، في كل مخبأ يلجأ إليه”،  وذلك عندما طلب من الإدارة الأمريكية، بالسماح له، بقصف أحد مقار إقامة الدكتاتور، إلا أنها لم تسمح له، فأثار ذلك اشمئزاز هذا الجنرال، وإن كان ذلك نفسه،  سيتم في زمان ومكان آخرين، وبطريقة أخرى، في ما بعد، وفق المخطط الأمريكي، وهو نفسه ما يمكن قوله عن مقتل “سيف العرب” نجل الدكتاتور القذافي، وثلاثة من أحفاد هذا الطاغية،  في غارة للناتو على مكان إقامتهم، وقد نجا منها القذافي، و”حرمه”  كما نجيا قبل ربع قرن تماماً، من الآن، عندما تم قصف منزله إثر غارة مماثلة، وليعلن آنذاك عن مقتل ابنة العقيد بالتبني وهي” هيفاء”.
ما يهمني هنا، هو أن صديقاً لي هاتفني، في صباح هذا اليوم، بعد ساعات من سماعي الخبر، يريد التأكد مني، في ما إذا كنت أصدق هذا الخبر، أم أنه مجرد “فبركة” للتغطية على بعض ما يدور في العالم؟، وصديقي هذا خير متأثر بنظرية رينيه ديكارت والتي تلخص في مقولته الأشهر” أنا أشكّ إذاً أنا موجود!” قد يصيب  في سلسلة ظنونه اليومية،  ولاسيما أنني أدري بأن آلاف الإعلاميين والخبراء العسكريين والمحليين السياسيين ومراكز الأخبار العالمية لطالما أماتوا” ابن لادن” من قبل، لدرجة أن إعلان خبر موته، قد يعني لبعضهم أن الموت قد تم منذ سنوات طويلة، وما يتمّ الآن، ليس إلا الإعلان المتأخر عنه، مادام أن هناك من يقول أن “صدام حي يرزق”، بل هناك من يطلع علينا ويقول: أنا صدام……..!،وإن ابنة القذافي-بالتبني- تلك، التي قال العالم كله-عندما كنا نسمع الأخبار من أجهزة الراديو الأخبار- إنها: ماتت، و زعلنا، في النصف الثاني من الثمانينات، لمقتلها بجريرة جرائم أبيها، لا تزال حية، وأجبته: إن من يقتل سواه، يقتل طمأنينته، و يظلّ “حياً في كفن” مهما كان متجبراً، سفاحاً، يتوارى عن رؤية وجوه البشر، ولا يمكنه أن يسير إلا محروساً، متخفياً، حتى ولو كان وسط وعول وحمائم في حديقة، وإن ليلته لابد تتقاسمها كل كوابيس العالم، ومن هنا، فالقاتل مشروع قتيل، حتى وإن تأخر مقتله إلى حين، أو حتى إن لم يتم……بالمعنى الفيزيائي، وإن كنت ضد لغة القتل، حتى بحق القاتل الذي يجب أن يقدم للقضاء، ألم يكن “صدام” صرصوراً في حقيقته، إلا أنه لكم كان يتجبر، مادام أن هناك” كاميرا” تلتقط خزعبلاته….؟!
قال صديقي:
اليوم سيسدل مقتل “ابن لادن” الستارة على ما يجري في العالم العربي، من انتفاضات وثورات شعبية عارمة، وكان يعني أن اسم درعا سيغيب طوال اليوم، أو أكثر، عن شاشات فضائيات العالم الحر.
قلت له:  “ابن لادن” مات،للمرة الأخيرة….!، ومحال أن يتم ذلك، لأنه لابدّ من أن تكون هناك نافذة من قبل هذه القنوات، ترينا ما يتم هناك، مع الكائن الأعزل، إلا من إرادته، في مواجهة الرصاص الحاقد.

لم أدرأني سأخسر شيئاً من الرهان، بحق، وإن بعض هذه الفضائيات لها أولوياتها، وجدت في تناول-الخبر المثير- ومقتل “ابن لادن” ما غطى- بحق- على الوقت المخصص لفضح سفك الدم البريء في بعض مدن العالم،  وبهذا فإن “ابن لادن” الذي ثكل مئات الآلاف من النساء، في كل قارات العالم، لايزال في اسمه ما يكفي من غطاء لقتل الأبرياء.
 ولعلّ الخبر الأكثر بروزاً كان إعلان “الداخلية السورية” عن عفوها عن المغرر بهم، ليسلموا أنفسهم مع” أسلحتهم وتقاريرهم عمن غرر بهم، وهي مادة مثيرة لشهوات إعلاميين  وناطقين رسميين سيلقنون عدداً من الضحايا،ما عليهم أن يقولوه، بحق ضحايا آخرين،  وذلك ضمن حلقات فضائيات، تصور للعالم كله بأن ما يجري في سوريا-مثلاً-هو أمر عادي، حيث المسلسلات، وضحكات المذيعات، بينما متاريس دوريات التفتيش تتربع على مداخل ومخارج المدن في حالة استنفار قصوى، مئات الأسر، بل آلاف أو ملايين الأسر تعيش حدادها الفعلي.
وقد يكون جزء من هذه الدعوة-أو العفو/اللغو، ليس  موجهاً لحاملي السلاح الافتراضي فقط، بل لحملة القلم الذين ينقلون بصدق ما يجري أمام أعين الملأ، من دون أن يقبلوا على أنفسهم الانخراط في” جوقات التزوير”.
مؤكد أننا سنسمع بعد سنوات قليلة من يقول: “أنا ابن لادن” ، وما زلت حياً أعيش، ورزقت بأولاد آخرين، من أمات وحرائر أخريات،وهو ماسيتلقفه إعلاميو “الصحافة الصفراء”، في أخبار لا تحترم أوقات متلقيها، يشنفون بها آذاننا، ويصفعون عبرها عيوننا، و وجوهنا، وهلم جرى، في دورة الإعلام الملفق، بينما سيكون “دود الأرض” أو “سمك البحر”، قد انتهيا من أكل لحم” الرجل” إن لم يكونا قد انتهيا من قبل، بل لعل بقايا جثة الرجل، تحنط، أو تحتفظ في حوض كيميائي خاص، لترى الأجيال القادمة، من كان وراء مقتل أجدادها، إنه شأن البيت الأمريكي، وهو ما لا علاقة لنا به .
elyousef@gmail.com     

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…