السقوط العظيم في الجمعة العظيمة

حسين جلبي

و هكذا سقطت ورقة التوت الأخيرة عن جسد النظام السوري ليكتشف المراقبون إن ما كانت تخفيه لم يكن ليختلف عما سبق و رأوه من سوءاته خلال عقوده الخمسة المنصرمة التي إختصرتها الأسابيع الخمسة الماضية.

يا لجرأة النظام، بل يا لبجاحته، كيف سولت له نفسه أن يولغ في دماء الأبرياء العزل خلال هذه الجمعة العظيمة، التي شهدت قيامة السيد المسيح، رسول السلام، و كيف صور له عقله المريض بأنه بأعماله التقتيل و التنكيل في السوريين، قد ينجح في إعاقة قيامة الشعب السوري من الموت إلى الحياة، أو قد يغير مسار التاريخ و يقلب الآيات رأساً على عقب.
بالأمس أعلن النظام عن رفع حالة الطوارئ، ليكتشف السوريون اليوم أن قانوناً أشد وطأةً قد حل محله، ألا و هو قانون القتل المباشر، دون حاجةٍ إلى محكمة أمن الدولة و أحكامها الصاروخية، فقد أصبحت عقوبة التظاهر دون الحصول على ترخيص، هي القتل بالجرم المشهود في عين المكان، فيما يبدو أنه تسريع للإصلاحات، فكيف يمكن و الحال كذلك أن يجرؤ أحد ما و يتقدم بطلبٍ للحصول على ترخيص بالتظاهر، و قد إختفت بالأمس آثار من صدق رواية الإصلاح، فتقدم بطلبٍ للترخيص، و لم يعد بعد، لا هو و لا طلبه.
اليوم قطع النظام شعرة معاوية بعد أن استرخص دماء السوريين، فأسالها غزيرةً غزيرة، و لم تكن سيرته سوى إستباحةٌ لكرامة السوريين و أعراضهم و حرياتهم و كل ما يربطهم بالانسانية بصلة.
أرادها النظام جمعة دموية فكان له ذلك، و لكنه فشل في جعلها درساً ترهيبياً قاسياً، بل كانت تذكيراً آخر لكل من إنطلى عليه معسول الكلام، فنسي الوجه الحقيقي للنظام، فكانت مقدمة تشير إلى ما سيكون عليه الحال في مرحلة ما بعد رفع حالة الطوارئ، إذا ما فكر أحدهم في الخروج على (عادات الطوارئ) التي سنها النظام.
أرادها الشعب السوري جمعةً عظيمة، فكانت عظيمةً به و بملايينه التي خرجت على إمتداد الوطن السوري، و هي تنفض عن نفسها غبار عشرات السنين التي قضتها في ركنٍ مهمل، في مُلحقٍ صغير، من ملحقات النظام.
لقد كانت جمعة الفراق الأبدي بين النظام و الشعب، في الشعارات و المآلات، الشعب يريد اسقاط النظام ليحيا، و النظام يريد إسقاط الشعب ليبقى محتفظاً بالكرسي، حتى إذا كان الثمن قتل الشعب، كل الشعب.
كان سقوط النظام في هذه الجمعة العظيمة سقوطاً أخلاقياًعظيماً مدوياً، فلقد جرفته و إلى الأبد، في ضمائر السوريين، شلالات الدماء التي فجرها بيده، و أقسى أنواع السقوط لمن يعلم، هو السقوط المعنوي، لأن الآخر، المادي، لا يساوي شيئاً، سوى الوقت القصير، الذي قد يستغرقه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحيم حسن من السهل تحميل الاحزاب الكوردية في روآڤايي كوردستان مسؤولية الاخطاء وماآلت اليه الاوضاع كما انه من السهل اتهام الشارع الكوردي بالتقاعس واللامبالاة ولكن في الحقيقة الازمة التي تعصف بالمجتمع اكثر تعقيداً فهي نتيجة تراكمات واخطاء مشتركة بين الاحزاب السياسية والنخب الاجتماعية والثقافية والمجتمع نفسه.   لاشك ان الاحزاب الكوردية تعاني من ضعف واضح من حيث التاثير والحضور الشعبي….

إبراهيم اليوسف ها قد دخلت الاحتجاجات يومها السابع، واستطاع المحتجون المشغولون بأهلهم من المواطنين، من دون تفريق، أو بحث عن: وجاهة أو جاه، خلال أسبوع كامل أن يثبتوا أن المطالبة بحق المواطن في الرغيف حين تخرج إلى الشارع فهي أبعد من أن تكون صدى لمجرد جوع، لأنها تعكس أسئلتها الكبرى. أسئلة الكرامة، إنها نتاج تاريخ كامل من…

شادي حاجي بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، تقف سوريا أمام لحظة مفصلية لإعادة تعريف شكل الدولة ونظامها السياسي. وبين أولويات الأمن وإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار، يبرز سؤال لا يقل أهمية: ما هو شكل الحكم الذي يُراد لسوريا أن تتجه إليه؟ وهل يمكن الحديث عن بناء دولة ديمقراطية من دون حياة حزبية فعلية؟ صدر الإعلان الدستوري المؤقت بوصفه إطاراً…

د. محمود عباس تحريف قصيدة عدي بن زيد وتعويم الذاكرة الساسانية وفي السياق نفسه يمكن قراءة صعود البرامكة ثم نكبتهم سنة 187هـ / 803م في عهد هارون الرشيد. فالبرامكة، وإن جرى تقديمهم غالبًا بوصفهم عائلة فارسية من بلخ، كانوا في جوهرهم جزءًا من بقايا البيوتات الإدارية والسياسية والثقافية التي ورثت شيئًا من تقاليد الحكم في المجال الساساني الأوسع. ومن هنا…