بين عقم التردد … والمـبادرة الوطنية التاريخية

  جريدة الوحدة (YEKÎTÎ)

تثير الأوضاع المستجدة لدى معظم شعوب ودول المحيط العربي-الإقليمي المعني مباشرة ببلدنا اهتماماً وقلقاً ملحوظين لدى الشعب السوري بمختلف مكوناته وشرائحه الاجتماعية، ليس فقط في ضوء الصور الحية لانزلاق الوضع في ليبيا صوبً أتون حربٍ أهلية وفظائع نظام العقيد القذافي ضد شعبه، سبقه المصير المخزي الذي آلَ إليه نظام كل من الرئيسين زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، بل أيضاً في ضوء الدلائل والمؤشرات التي توحي بعدم استتباب (الأمن والاستقرار) في دول الخليج والأردن وعموم العراق ولبنان والساحة الفلسطينية،..
لا حبّاً مرضياً يسكن قلوب هذه الشعوب والمجتمعات يدفعها إلى الاحتجاج والتظاهر وميادين الحرية والكرامة، ولا تآمراً أمريكياً-إسرائيلياً يواصل نجاحاته في اكتساح شوارع  المدن والعواصم العربية، بل نتاج تراكم عوامل داخلية أهمها اتساع مستوى البطالة ودرجات الفقر وانعدام فرص العمل أمام مئات الآلاف من الشباب، وبالتالي الحرمان من الحق في عيش لائق، وكذلك ظواهر ومسببات أبرزها الركون إلى العسف القانوني ولغة القمع والتشدد الأمني في التعامل مع المواطن-الإنسان ومختلف ملفات الداخل هنا وهناك لتتولّدَ حالات احتقان فينجم عنها اندفاع عفوي وتداعيات وتختلط الأوراق وكل الحسابات…!!إلخ.
هذا، ناهيك عن توافر معطيات ومقدمات حقيقية لارتسام مسار ونشوء معادلات جديدة على الصعيدين الإقليمي والدولي قد تفتح أبواباً وتغلق أخرى، حيث أن سوريا ليست بلداً من جليد يقع في القطب الشمالي ولا جزيرة نائية في محيط متجمد أو يتموضع في بحر الكـاريبـي ،
مما يحمل الجميع حكومة وشعباً، فعالياتاً ونخباً سياسية وثقافية ورجال فكر وقلم وجميع المهتمين بالشأن العام الذين تعزّ عليهم مصالح وكرامة المواطن والوطن ومصيره، بالبحث الجاد والمبادرة دون تردد لطرح خارطة طريق تفتح صفحة جديدة عنوانها العريض يداً بيد نحو إصلاح ديمقراطي شامل في حياة الشعب السوري، في واقع مؤسسات الدولة والمجتمع، للشروع دون تردد بإحداث انفراج سياسي ينزع ويبعد فتيل الاحتقان والتوترات، وذلك بالإسراع في اتخاذ حزمة تدابير وإجراءات ضرورية أهمها:
أ- الإفراج عن المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي وإلغاء الأحكام الصادرة بحقهم.
ب- إلغاء قرارات منع المغادرة بحق الآلاف من المفكرين والساسة والمثقفين مَن هم في الداخل و المهجر، والسماح بعودة آمنة للمغتربين السوريين لزيارة أهلهم وذويهم.
ج- إصدار قانون عصري ينظم عمل الأحزاب والجمعيات وآخر للإعلام يفسح المجال ويضمن حق حرية إبداء الرأي والتعبير عنه.
د- سنّ قانون جديد للانتخابات التشريعية والمحلية يصمن مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص.
هـ- ضمان تمكين سلك القضاء في التمتع باستقلاليته ونزاهته وإلغاء الاستثنائي منه وأحكامه، ليأخذ القانون مجراه ويسودَ على الجميع.
و- وقف العمل بقانون وحالة الطوارئ والأحكام العرفية السائدة منذ /48/عاماً.
ز- إلغاء مرسوم قانون الإحصاء رقم/93/ لعام 1962 الخاص بمحافظة الحسكة، والذي بموجبه يعاني اليوم أكثر من ثلاثمائة ألف مواطن كردي الحرمان من حق المواطنة، وبالتالي من حق العمل والتملك والتنقل…إلخ.
ح- إلغاء المرسوم رقم/49/ لعام 2008 الذي ألحقَ الشلل شبه الكامل بالنشاط العمراني والمهني والتجاري وغيره في العديد من المدن والمحافظات السورية وخاصة محافظة الحسكة بكاملها ومدينة عفرين ومنطقة جبل الأكراد وعين العرب(كوباني) وتل أبيض.
ط- إعادة النظر بالقانون رقم 49 لعام 1980 الذي يقضي بحكم الإعدام بحق الآخر، حيث مضى عليه ثلاثون عاماً ونيف، ويشكل إساءة لسمعة ومكانة البلاد، وانتهاك فظ للدساتير ولوائح حقوق الإنسان.
ط- رفع الحظر عن اللغة الكردية التي تخصّ وتمسّ كرامة أكثر من مليوني مواطن يشكلون جزءاً أساسياً من النسيج الوطني السوري.
صحيحٌ أن الإصلاح الديمقراطي الشامل يتضمن فيما يتضمن من إصلاح اقتصادي إداري تعليمي صحي وكذلك إصلاح دستوري ودٍيني،..

وهذا يصعب إنجازه في فترة وجيزة، فلا بدّ من التدرج والمواظبة، إلا أن ما ننشده وتتوق إليه الغالبية العظمى من الشعب السوري-كما نراه ونفهمه- بأن التدابير العشرة المدرجة أعلاه تشكل انفراجاً وإنعاشاً لإصلاح سياسي ومجتمعي يعزز المواطنية السورية، ويخفف من وطأة ومخاطر أزمة وفقدان الثقة بين المواطن والدولة، حيث لا حياة للإنسان المعاصر بغياب الدولة وقوانين عصرية ناظمة للحقوق والواجبات، وعلى هذا الأساس فإن الاهتمام بالشأن العام ليس من شأن فريق دون آخر، بل من واجب وحق جميع المواطنين والفرقاء وإن تباينتْ آراؤهم وتعددت انتماءاتهم الدينية والقومية، فالاحتكام إلى مبدأ ولغة الحوار، والتمتع بآداب الإصغاء إلى الرأي والرأي الآخر بات يشكل شرطاً وسمة لكل من يزعم ويتصدى لمهمة الدفاع عن الصالح العام وحماية قضايا الشعب والوطن أينما كان موقعه، سواءً في قيادات ومؤسسات الدولة والحكومة وسلطاتها المتفرعة، أم في أوساط المجتمع والمعارضة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن التسليم بثنائية السلطة والمعارضة كثنائية(الخير والشر) أو (ديار الكفر والإسلام) وتسويغ القطع بينهما، يشكل أمراً مريباً، يحمل في ثناياه بذور ومخاطر دمار السلم الأهلي وخراب مؤسسات الدولة فيبرز العنف ليطغى على المشهد، وليخسر الجميع في آخر المطاف، حيث لا الشعارات الجميلة ولا الخطابات النبيلة وبرامج الأحزاب وخطط الحكومة تنفع، والأرصدة المليارية وسبائك الذهب والقصور الفارهة والحاشية متعددة الرؤوس بأجهزتها الأمنية تتحول إلى عبءٍ من العبث حمايتها وضبطها، كما حصل بالأمس القريب مع طاقم وحاشية كل من الرئيسين السابقين مبارك وبن علي.
إن ما تشهده المنطقة والمحيط العربي من تجارب راهنة وأمثلة حية لم تكن متوقعة في يوم ما، ففاجأت العالم أجمع وخصوصاً الغرب وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية بمختلف مراكزها البحثية والاستراتيجية، وهذا درسٌ كبير وتاريخي يثبت للمرة الواحدة بعد المائة بأن الإنسان يجب أن يكون أغلى قيمة في الوجود، وإن اعتماد قوة المنطق وجمال العقل بدلاً عن منطق القوة والعسف هو الخيار الأفضل في الحاضر والمستقبل.

*
الجريدة المركزية لحزب الوحـدة الديمقراطي الكردي في سوريا(يكيتي) – العدد (211) شــباط 2011م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…