الكرد واليوم العالمي للمرأة!.

هوشنك أوسي
 
حصّة المرأة الكرديّة في سورية من التذكّر، خلال عام بأكمله، هو أقلّ من 24 ساعة، في يوم 8 من آذار، يوم المرأة العالمي، عبر تكرار إصدار بعض البيانات الحزبيّة، وعقد بعض الندوات الحزبيّة التي يقال فيها حول المرأة وحقوقها المشروعة، ما قيل في نفس الاجتماعات والبيانات، خلال الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات.

امّا على الواقع العملي، فأننا نسمع جعجعة ولا نرى طحناً!.

بالتأكيد أن حال المرأة الكرديّة في سورية، قياساً بالمرأة في كردستان العراق، هو أحسن.

ولا يعود الفضل في ذلك إلى الحراك السياسي الكردي الذي بلغ من العمر ما يزيد عن نصف قرن!.

كما أن حال المرأة الكرديّة في تركيا، يفصله عن حال شقيقتها في سورية، سنوات ضوئيّة.

وبالتأكيد أن هذا التطوّر النوعي في كردستان الشماليّة، مردّه الثورة الكردستانيّة المعاصرة، بقيادة العمال الكردستاني، وفكر زعيمه الأسير عبدالله أوجالان.

ذلك أن الحضور النوعي في ساحات النضال العسكري، هو الذي مهّد لحضورها في ساحات النضال السياسي البرلماني (8 برلمانيّات) وفي البلديّات (17 رئيسة بلديّة) والحراك المدني والحقوقي والفنّي والإعلامي.

هذه المكاسب التي حققتها المرأة الكردستانيّة، ما كانت لها أن تكون، لولا تضحياتها ضمن الثورة الكردستانيّة، ولولا فكر ومنهج الزعيم الكردي الأسير، عبدالله أوجالان.
 
ولعل مقاربة تجربة حزب العمال الكردستاني مع التجارب الكرديّة الأخرى، فيما يتعلّق بموضوع المرأة، لهو أم مجحف بحقّ العمال الكردستاني.

إلاّ أن اليوم العالمي للمرأة يفرض هذا الأمر، كي يعي المجتمع الكردي، أيّة سياقات سياسيّة، اجتماعيّة، أيديولوجيّة، كانت لها الدور المحوري في تطوّر راهن المرأة الكردستانيّة.

فمنذ أن بدأت تأسيس التعبيرات السياسيّة الكرديّة، من جمعيّة خويبون سنة 1927، وحتى سنة 1978، لم يكن هنالك حضور للمرأة في أيّ من هذه التعبيرات والاحزاب والتنظيمات السياسيّة على مستوى التأسيس، باستثناء تجربة حزب العمال الكردستاني، الذي ضمّ في مؤتمره التأسيسي سنة 1978 امرأتين، هما كسيرة يلدرم (فاطمة) وساكنة جانسز (سارا)، ناهيكم عن وجود كوادر نسائيّة متقدّمة لم تحضر المؤتمر التأسيسي كرحيمة قهرمان.

بينما لا نشهد مثلياً لهذا لا أثناء تأسيس الحزب الشيوعي السوري ولا العراقي ولا الايراني، ناهيكم عن الأحزاب الكردستانيّة في كردستان الجنوبيّة وكردستان الجنوب غربيّة.

وإذا كان هنالك حضور نسائي لافت في حزب الاتحاد الديمقراطي في سورية، فيتأتّى ذلك لكونه امتداد لتجربة حزب العمال الكردستاني، وليس لكونه أحد تفريخات الحزب الكردي الأول في سورية سنة 1957.

وذكرت في مقالات سابقة، إنه، بعد أكثر من خمسين سنة على ولادة التكوين السياسي الكردي في سورية، إذا أجرينا الآن إحصاء حول عدد النساء الموجودات في المكاتب السياسيّة واللجان المركزيّة للأحزاب الكرديّة السوريّة، فلن نجد سوى نموذج واحد فقط، هو أقرب للديكور منه للقيمة النسائيّة السياسيّة الفاعلة والمؤثّرة في الحياة السياسيّة الحزبيّة.

هذا بدوره، يؤدي الى نتيجة قطعيّة، لا جدال حولها، أن هذه الاحزاب، إمّا فشلت في جذب المرأة الى صفوفها؟، أو هي أصلاً لم تسعَ إلى ذلك؟، أو أن برامجها كانت من السطحيّة بحيث لم تكن تلفت انتباه المرأة الكرديّة؟.

وبالتالي، كل ما كانت تقوله حول حقوق المرأة وحريّتها وشراكتها للرجل…، كان محض دجل وصفاقة وكلام فارغ!.

ذلك أنه في غياب الدور النسائي في أي حراك اجتماعي _ سياسي، هذا يعني أن الحراك معطّل، بغياب نصفه، على اعتبار ان المرأة نصف المجتمع، كما يقال.
 
وعلى ضوء ما سلف، ستحتفل الأحزاب الكرديّة التقليديّة باليوم العالمي للمرأة، المصادف للثامن من آذار، بنفس الكليشات والدباجات الممجوجة إيّاها، لكن مع التغييب الفظيع للمرأة على أرض الواقع.

وبالتالي، لا يوجد سعي جدّي وحقيقي إلى تفجير طاقات المرأة ضمن النضال السياسي الكردي، إلا في تجربتي العمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي.

وهذا واقع الحال، وليس من صنف البروباغندا.

وهذا بدوره، يشي بمدى العفن والعقم المسيطر على الذهنيّة الذكوريّة، البطرياركيّة، القبليّة، البدائيّة التي لا زالت تدار بها ما يسمّى بالحراك السياسي الكردي في العراق وسورية.

ما يحلينا للقول أننا، بالفعل، بحاجة لثورة مماثلة، كالتي شهدتها كردستان الشماليّة، حتى ينفكّ أسر المرأة الكرديّة من هذه الذهنيّات السياسيّة الخربة والباليّة التي بتعطيلها لدور المرأة، أنما تعطّل الحياة والقضيّة القوميّة الوطنيّة الكرديّة، وقضيّة الديمقراطيّة الاجتماعيّة في سورية والعراق.
 
حاصل القول: الثورة الكردستانيّة المعاصرة، أحدى أهمّ وأقوى أسلحتها التي واجهت به أعتى جيش في الشرق الأوسط، وثاني جيش في الناتو، كما واجهت التخلّف الديني والاجتماعي والقبلي المتوارث…، كان سلاح المرأة المناضلة الحرّة الجسورة.

ولعلّ ما شهدته المرأة الكرديّة من تطوّر، ليس بكافٍ، وستسعى الى المزيد بالجهد والتضحيّة والمقاومة.

وبتحررها يتحرر الرجل ويتحرر المجتمع ويتحرر الوطن.

وهذه هي الترجمة لإحدى مقولات أوجالان: “المرأة الكردستانيّة الحرّة تعني كردستان حرّة” (كتاب المرأة والعائلة).
 

كاتب كردي سوري

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…