قراءة في استراتيجيات الضرورة: حزب العمال الكردستاني وحقيقة التحالفات الإقليمية

نورالدين عمر 
بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية.
أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟
كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك علاقات تاريخية مع النظام الإيراني قد تفوق في عمقها علاقة حزب العمال الكردستاني بطهران. لقد لعبت هذه الأحزاب الثلاثة أدواراً متباينة تجاه الحراك الكردي في شرق كردستان نتيجة تلك العلاقات التي فرضتها الجغرافيا السياسية وتعقيدات الصراع.
لكن المؤكد أن هذا التقارب لم يكن نابعاً من مودة تجاه النظام الإيراني، بل كان خياراً تكتيكياً فرضته الظروف القاسية للقضية الكردية وتوزعها بين أنظمة دكتاتورية. لذا، فإن وصف أي طرف كردي بأنه “أداة” أو “عميل” لطهران هو تسطيح للواقع؛ والأدهى من ذلك هو الكيل بمكيالين عبر تبرير علاقة حزب مع إيران ومهاجمة حزب آخر من منطلق خصومة فكرية أو حزبية.
ثانياً: المناخ السياسي في سوريا خلال الثمانينات
خلال فترة الثمانينات، انتهج نظام حافظ الأسد سياسة الانفتاح على كافة الأحزاب الكردية، حيث شهدت تلك المرحلة تراجعاً في الاعتقالات ورفعاً جزئياً للحظر عن الفعاليات الثقافية كعيد نوروز. لقد كانت الاجتماعات الحزبية تعقد شبه علناً، وكنت شاهداً كطالب حينها على لقاءات ضخمة بحضور قيادات الصف الأول لمختلف الأحزاب.
وفي دمشق، عقد الاتحاد الوطني الكردستاني مؤتمره التأسيسي عام 1975، وافتتح الحزب الديمقراطي الكردستاني-العراق مقره الأول عام 1979. ومن هنا، ندرك أن علاقة حزب العمال الكردستاني بدمشق لم تكن استثناءً أو تحالفاً لوجستياً خاصاً، بل جاءت ضمن سياق استغلال الهامش الذي منحه النظام للحركة الكردية عموماً. ورغم أن حزب العمال كان الأكثر ذكاءً في استثمار هذا المناخ لبناء قاعدة جماهيرية صلبة في “روجافا”، إلا أن الادعاء بوجود قمع حصري ضد الأحزاب الأخرى في تلك الفترة يفتقر للدقة، فقد كانت قنوات التواصل بين الأمن السوري ومعظم القيادات الكردية مفتوحة ومستمرة.
ثالثاً: توقيت العلاقة مع إيران وتفنيد المزاعم
خلافاً لما ذهب إليه السيد سيدا بأن علاقة حزب العمال بإيران بدأت عام 1982 بالتزامن مع تأسيس حزب الله، فإن الوقائع تشير إلى أن العلاقة الفعلية لم تتبلور إلا في التسعينات، وظلت محكومة بمسائل تكتيكية محدودة. وفي المقابل، كانت علاقات طهران بالحزبين الكرديين العراقيين (الديمقراطي والاتحاد) أكثر استقراراً وقوة بحكم الحدود المشتركة والمصالح الاقتصادية والأمنية المتبادلة.
ومن المثير للاستغراب أن يتجاهل السيد سيدا علاقات الاحزاب الكردية في جنوب كردستان بإيران التي استمرت منذ عهد الشاه وحتى اليوم، مكتفياً بالإشارة إلى اتفاقية الجزائر 1975 كسبب لتوقف ثورة الملا مصطفى بارزاني. وطبعا هنا لا نخون أحداً، بل نؤكد أن هذه العلاقات كانت “ضرورات سياسية”، ولا يجوز منح صكوك الغفران لطرف ووصم الآخر بالعمالة لمجرد أنه خصم سياسي.
رابعاً: “روجافا” والتحديات الراهنة
وقع المقال في أخطاء تاريخية جسيمة فيما يخص الداخل السوري؛ فحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) لم يدخل سوريا بعد الثورة، بل تأسس عام 2003 وعانى كوادره من الاعتقال والملاحقة لسنوات. أما وحدات حماية الشعب والمرأة، فقد تأسست في “روجافا” بإرادة محلية، ورغم الدور الاستشاري لكوادر حزب العمال في التأسيس، إلا أنها لم تكن “قوة هابطة من قنديل” بتنسيق مع النظام.
لقد حققت هذه القوات منجزات ملموسة عبر تضحيات كبرى، من بناء الإدارة الذاتية إلى إحياء اللغة والهوية الكردية، في وقت ارتمت فيه أطراف كردية أخرى في أحضان ائتلافات خاضعة للأجندة التركية التي تعادي الوجود الكردي بوضوح.
خاتمة:
بالتأكيد، ارتكبت الإدارة الذاتية ووحدات الحماية أخطاءً في مسيرتها، لكنها تظل قوة وطنية كردية سعت لانتزاع حقوق الشعب الكردي ضمن الجغرافيا السورية، ولم ترضخ للنظام بل خاضت ضده معارك شرسة لحماية مناطقها. إن قراءة التاريخ بعين الحقد الحزبي لا تخدم القضية، بل تزيد من تشرذم الموقف الكردي أمام تحديات وجودية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…