النموذج التركي و الحراك الشعبي الكوردي

دلشا يوسف

   لم تسلم الدولة التركية من إحتمال حدوث حركة شعبية فيها، رغم قفز
 ( النموذج التركي) إلى الواجهة من جديد مع إنفجار الحركات الشعبية في بعض الدول العربية.

   و سمة النموذج التركي الذي يتوق إليه الدول العربية، يعود لوجود الحريات و الديمقراطية على صعيد السلطة و على صعيد العمل و مشاركة الإسلاميين في الإنتخابات النيابية و البلدية و إستلامهم عددا كبيرا من البلديات، مما أفسح المجال أمامهم للإنفتاح على العالم.
   و كذا أشاد الرئيس الأمريكي باراك أوباما في إتصال هاتفي مع رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان بالنموذج التركي الذي أتاح إستمرار اردوغان في السلطة عبر انتخابات ديمقراطية، و بقوة تركيا بقيمها الديمقراطية.

    و لكن هذا النموذج التركي الذي يدعوا بعض الدول العربية للإحتذاء به وأشاد به أمريكا و دول أخرى، لم يسلم من هجوم بعض الأطراف في الداخل التركي، و يأتي في مقدمتهم الكماليين المتعصبين الذين يهابون هيمنة النظام الإسلامي على العلمانية الكمالية من جهة، و الكرد الذين ما يزالون يشعرون بأن الديمقراطية في النموذج التركي لا تفي آمالهم و مطاليبهم من جهة أخرى.
    فالكماليون المتعصبون يدّعون انه من المحتمل أن يقوم (القوميون) بحركة شعبية على غرارتونس و مصر، و كأنهم لا يعرفون أن الكمالية التركية مماثل للكمالية العربية في مصر و الذي يطالب الشعب برحيله.
  و إدعاء الكماليين هذا يذكّرنا بفكاهة حول الدكتاتور التشيلي أوغوستو بينوشيت الذي لم يفكر بالرحيل حتى  و هو على فراش الموت، حيث يقال أن أحد حراس بينوشت إقترب منه و هو يلفظ أنفاسه الأخيرة على فراش الموت و أخبره أن الشعب يريد توديعه.

فتح بينوشيت عينيه بصعوبة و قال متسائلاً: ” لماذا؟ إلى أين هم ذاهبون؟”.
   أما الكورد فيدعون من جهتهم للقيام بحركة شعبية مليونية في مدينة دياربكرعلى غرار المصرين، إيماناً منهم أنها ستساهم في تسريع تسوية القضية الكوردية و ستستهدف هذه الحركة إن بدأت، حكومة حزب العدالة و التنمية الحاكم و الذي يعتبر وجوده على رأس الحكم ركن أساسي من أركان النموذج التركي.
   و كما يقول الكاتب التركي المعروف أحمد آلتان في مقال له منشور في صحيفة طرف، تحت عنوان ( إقتراح اردوغان و الكورد)، إن الشعب الكوردي في تركيا، يأتي في مقدمة  كافة شرائح المجتمع المتأثرين ب
( الحركات الشعبية) في الشرق الأوسط.

و أن شعباً محاصراً مُنع عليه حتى التحدث بلغته الأم، و في حال قطعه الأمل من إيجاد حلول سياسية لقضيته، سيلجأ إلى العصيان المدني و سيكسب حقوقه عن طريق الإعراب عن غضبه المشروع على حد قوله.
   ويضيف أحمد آلتان قائلا:
سيفضي تغاضي حكام تركيا النظر في مطاليب الكورد و عدم الإستجابة لها،  إلى غليان الغضب الشعبي الذي سيكون ذا تأثير أكبر من الحركة المسلحة.
و في حال عدم توّصل النقاشات الدائرة حول الدستور الجديد إلى نتائج تضمن فيها مطاليب الكورد قانونياً، سوف تواجه تركيا حركة شعبية مماثلة.
    و في السياق نفسه  نشر (جودت آشكن) كاتب العمود في صحيفة راديكال مقالا بعنوان ( أوجلان يدعوا الشعب الكوردي للخروج إلى الميادين على غرار المصريين)، يذكر فيها، أن زعيم حزب العمال الكوردستاني، دعا الشعب الكوردي للقيام بحركة شعبية في دياربكر على غرار المصريين بقوله:
” في حال إعتصام الشعب الكوردي في ميادين دياربكر أياماً طويلة، و في حال إصراره على مطاليبه، سوف يتحقق السلام لا محالة و سنرى ما إذا كان بمقدور حزب العدالة و التنمية المقاومة للبقاء على رأس الحكم أم لا.

حينها أردوغان بنفسه سيطالب بحل القضية”.

  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…