لا تجعلوا حركتنا السياسية كهوف تورا بورا

جان كورد
لا أريد هنا الخوض في المستنقعات لأستخرج منها الاتهامات ضد هذا وذاك  بصدد الأسباب التي جعلتنا جميعا، حركة وشعبا، في غرب كوردستان، ندور حول أنفسنا ، دون أن نحقق أي هدف من أهدافنا المعلنة وغير المعلنة… وإنما أريد إشعال عود ثقاب، شمعة صغيرة، أو أحمل قنديلا متواضعا في دجى هذا الليل الطويل، عسى أن يذكرنا بعضهم بخير عندما يحين أوان الرحيل الذي لابد منه، قريبا أو عاجلا….
لقد بات الجميع، في مختلف فصائل حركتنا القومية الكوردية “السورية” يدرك تماما أن لابد من تعددية تنظيمية واختلافات في وجهات النظر السياسية، وأننا بحاجة إلى ساحة ديموقراطية حرة نلتقي فيها قبل أن نتواصل مع الآخرين من أبناء وبنات المجتمع السوري لنؤكد لهم حاجة بلادنا إلى الحرية والديموقراطية والسلام والعدالة والمساواة والازدهار الاقتصادي….
ولكننا في الوقت نفسه ندرك أيضا بأن التعددية لاتعني العبثية والتشرذم والتقوقع والتهرب من الآخر ووضع الحواجز والشراك والمتاريس على الطريق إلى الساحة التي نبتغي التواصل عليها والتلاقي فيما بيننا كأكراد يحبون الحرية ويطالبون بها ويعملون من أجل الحصول عليها، بعد عقود طويلة من ظلمات أسدل ستائرها الغليظة على بلادنا وشعبنا نظام دكتاتوري “استبدادي” متخلف العقيدة الحزبية وبدائي الإدارة وضعيف الاهتمام بالشعب وقليل الانتاج والانجاز من كل النواحي….
من جهة نؤكد جميعا على ضرورة التعددية في حقل العمل الكوردستاني – السوري ، ومن جهة نشمئز من كل هذا المتشرذم الذي لم يأت حتى الآن بخير يذكر…
وللخروج من هذا المأزق، أو لاخراج العربة من الوحل، لابد من أن تتوافر لدينا ، قبل كل شيء، الإرادة القوية والرغبة في ازالة العراقيل التي تقف في وجهنا جميعا وتمنعنا من الاستمرار في مسيرتنا التي نؤمن بأنها واجب شرعي وأخلاقي وإنساني وقومي ووطني…
قبل كل شيء من أجل تحقيق إيجاد هذه الساحة المشتركة بين مختلف فصائل حركتنا القومية الكوردية – السورية يجب أن يكون عملنا قائما على “الشفافية“، فالذي أبعد بين التنظيمات والجماهير، أو بين القيادات والقيادات، هو الأسلوب الكلاسيكي الشبيه بالاختباء في كهوف تورا بورا… وذلك بحجة أن السرية في العمل السياسي ضرورة قصوى والافصاح عما تقوم به القيادة “خطر على أمن الحزب!”….

ولم ينتج هذا الأسلوب سوى مزيد من التعقيدات والتشرنق اللامجدي…
الشفافية تعني إعلام الجماهير بكل الخطوات السياسية التي يخطوها الحزب الذي لايمكن أن يصبح طليعة لشعبه ما لم يثق بهذا الشعب، ولايمكن أن يتبع الشعب حزبا لايعرف عنه سوى بعض البيانات الهزيلة بين الحين والحين ولا يعلم عما يجري في طوابقه العليا، بل لا يفهم ما يقوم به زعماء الحزب من حركات بهلوانية ، وكأنه أسير معصوب العينين، يتلمس جدران الكهوف المظلمة، وهو الذي من حقه أن يرى ويسمع ويناقش ويعي ما يقوم به الحزب ويناضل من أجل الاشراف على عمل طليعته التي يؤمن بدورها الهام في مسيرته الكبيرة، وكما قال فرانز فانون في كتابه “المعذبون في الأرض“: ” لا كان ذلك الجسر الذي لم يدخل في وعي الشعب.”
الحال المزرية التي تعيشها حركتنا الوطنية التحررية الكوردية في غرب كوردستان، تفرض على قيادات هذه الحركة وضع أوراقها وأقلامها وأختامها وخططها على الطاولة وتكون مفتوحة النوافذ على الشعب الذي تدعي أنها تمثله وعلى القيادات المنافسة التي تريد كسبها إلى تحالف أو جبهة أو مجلس أو مرجعية سياسية قومية.

بدون هذه الشفافية لاخلاص من المأزق الذي توقفت فيه سفينة الحركة، مع الأسف…
حبل الانقاذ في أيدي الشعب الكوردي السوري قبل أن يكون في جمع التأييد الكوردستاني الذي لن يبخل به الإخوة الكوردستانيون على هذه القيادات في أي ظرف كان، والشعب الكوردي السوري لن يساعد الحركة لاخراج سفينتها من المأزق إن لم يع ما تقوم به هذه القيادات في علاقاتها بعضها ببعض أولا، وفي حراكها السياسي العام… فليبدأ كل تنظيم –  وبخاصة أدعياء الكوردستانية والشرعية والقوة التنظيمية – أن يكسروا جدران الجليد فيما بينهم، بينهم وبين القواعد التي يستخدمها أحيانا كمطايا ضعيفة للوصول إلى أغراضهم ، وكذلك بينهم وبين الشعب الذي يتساءل أحيانا إن كان هؤلاء حقا يستحقون لقب ممثلي الشعب الكوردي ويتصفون بصفات قيادة شعب مظلوم كالشعب الكوردي في غرب كوردستان….
أنا لا أطالب هذه القيادات بالقيام بثورة على أنفسها أو حرق المراحل وانما أدعو نشطاء الرأي والرأي الآخر داخل كل حزب وتنظيم أن يساهم في هدم كهوف تورا بورا هذه التي تعيش فيها قياداتنا منذ أن وجدت، ويعرض حقيقة ما يجري ضمنها من خلال الحوار والنقاش مع القواعد ومع الوطنيين الأحرار وكذلك مع منتسبي الجهات المنافسة الأخرى، وهم بمساهمتهم تلك وعزمهم على تحقيق الشفافية في العمل يوسعون من دائرة الضوء ويقربون بين المتنافسين على دور “الطليعة السياسية” ويبنون قاعدة متينة لتحقيق وإيجاد الساحة المشتركة التي يرغب في اقامتها سائر المخلصين للشعب الكوردي، داخل الحركة وحولها، في داخل البلاد وخارجها…

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…