ما دعاني إلى إيراد هذه القصة ، هو الوضع العراقي الذي يزداد تأزمه يوما بعد يوم ،والذي أخذ ينحو منحى الحرب الأهلية أو الطائفية،فالقتل اليومي الجماعي على الهوية يجعل الإنسان يعي تماما ما كان يقصده ذلك الحلاق العراقي البسيط من إن العقول التي تربت على الخنوع والرضوخ الدائم للأعلى ، ستمارس نفس هذه الممارسات والسياسات إن استلمت هي السلطة،وذلك طالما بقي القانون غائبا أو مغيبا ،فما معنى أن نقول عراق جديد وهدفنا هو العراق الجديد ومئات المسلحين التابعين للمليشيات الحزبية والطائفية تحتل شوارع بغداد ، وتصنع لنفسها إمبراطوريات ضمن دولة العراق ، حتى أصبح القرار الفصل في معظم الأمور السياسية والحياتية بيد الحزب أو الجماعة التي تملك أكثر المليشيات قوة وعددا، وكأن الأمر في العراق أصبح أشبه ما يكون بوضع الاتحاد السوفيتي بعيد السقوط ، حين انتشرت المافيات في معظم أرجاء البلاد السوفيتية ، وبدل أن يحتمي المواطن المسكين بالدولة وقواها المختلفة اخذ يحتمي بالمافيات المسلحة التي فرضت على المواطن اتاوات مقابل حمايته وحماية مصالحه من المافيات الأخرى، وهكذا كان الوضع السوفييتي بعيد السقوط مافيات تنشر الرعب والقتل ومافيات تحمي والكل يفرض الاتاوات على المواطن المسكين.
هل تحول الوضع في العراق إلى وضع شبيه بذلك ؟ ربما ،ولكن الفرق بين مافيات الروس ومليشيات العراق إن الأخيرة تأخذ اتاواتها من بعض المسؤليين في الدولة أو من الوارد النفطي أو الخارجي ، بينما المافيات الروسية كانت تأخذ اتاواتها من المواطنين ولكن لا فرق كبير، ففي النهاية الذي يدفع الثمن هو الوطن ، وبالتالي المواطن الفقير والضعيف الذي اخذ يغرق في مستنقع الدم العراقي المراق ،الذي لم تعد انهار دجلة والفرات تتحمل المزيد منه ،هل عاد المغول ياترى من جديد ليحرقوا بغداد بعقلية قرونهم الوسطى ؟هذه العقلية التي نمت على نفي الآخر،والتي مازالت تعيش أوهام ماض عتيد، كانت فيه جماعات تسيطر على جماعات ، وأقوام تفرض آراءها وأفكارها على أقوام بقوة السيف ، ربما نعم.
ولكن اليوم يعيش العراقيون أمل مرحلة جديدة ، يُبنى فيها عراق جديد والعراق الجديد يحتاج ثوبا جديدا ، ثوبا يضم كل العراقيين ضمن أمتار قماشته، و يحتاج إلى تمزيق الثوب القديم الذي يمثل للبعض رمزا للظلم والقتل والاضطهاد ، يحتاج العراقيون اليوم إلى راية جديدة تمثل كل أطياف الشعب العراقي ، راية جميلة كالعراق الذي نتمناه جميلا، راية تُحمل في القلوب ، قبل أن تحمله البنايات والمقرات الحكومية والمؤسسات العامة ، راية يتوافق عليها الجميع حول طاولة الحوار ، التي هي الملاذ الأول والأخير لدرء الفتن التي تحاول بعض الأطراف الداخلية والخارجية، وبعض المؤسسات الإعلامية اختلاقها وزرعها بين صفوف أبناء الوطن الواحد .
اليوم ينفض العراق الجديد بل يحاول أن ينفض عن جسده غبار الماضي الحزين ، ويعمل بهمة أبنائه المخلصين على بناء دولة حرة عصرية ، دولة جميلة مشرقة والدولة الجديدة حتما تحتاج لراية جديدة طال انتظارها ، وهفت القلوب لرؤيتها ترفرف على كل دوائر العراق بدءا من كردستان وانتهاء بالجنوب ،فالي متى ينتظر العراقيون ساستهم وبرلمانهم كي يحددوا ويختاروا رمز العراق الجديد ، رمز التوافق العراقي ،علم العراق الفيدرالي؟.






