حوار مكسور الأضلاع

عمر كوجري

يندفع بعض الكتاب الذين يكتبون في صحف الخليج تحديداً في الوقت الحالي بكيل التهم جزافاً بحق الكرد دون وجه حق، حتى أن البعض منهم وعلى ما يبدو اعتبر أن معركته المصيرية مع الكرد لا مع غيرهم، بطبيعة الحال، هؤلاء بمجمل الأحوال قلة، ولا يأخذ هذا الكلام محمل الإطلاق، وللأسف يتناسى هؤلاء أن معركة الكرد والعرب تكاد أن تكون واحدة لأن ما يقرب إرادة الشعبين الكردي والعربي أكثر من أن يحصى، وعلى مر التاريخ شهد الشعبان تقارباً من وجهة الإرادة المشتركة والجوار والأهم من كل هذا وذاك الاشتراك في الدين، حيث تسامى الكرد حتى على طموحاتهم القومية، وانخرطوا في الدين الإسلامي يرفعون رايته، ويضحون بأنفسهم في سبيل نصرة هذا الدين
 ويشهد التاريخ الإسلامي الكثير من الأبطال الكرد الذين حملوا أفكار الدين الجديد، ومنهم من أصبح عالماً وفقيهاً ومتبحراً في العلوم الدينية، ومع كل هذا لم يحظ الكرد بالمكانة اللائقة التي كان من المفترض أن يتبوؤوها، ولا يعتبر إشغال هذا المنصب” الصغير” هنا أو اعتلاء هذا الكرسي أو ذاك ضرباً يمكن التعويل عليه والاستشهاد به.

مؤخراً، قرأت مقالة للكاتب مجدي شندي منشورة في جريدة “البيان” الإماراتية، يعود فيها إلى الأسطوانة المشروخة نفسها وهي أن لكرد العراق علاقة مع إسرائيل، ويستغرب فيها كيف أنهم يتغنون بجميلة بوحيرد ” المناضلة الجزائرية” ضد المحتل الفرنسي، وكيف أنهم ينسجون علاقات متينة مع فصائل الثورة الفلسطينية، و”  ومن تحت الطاولة لهم علاقات لا تنفصم مع إسرائيل.
ومن دون وثائق وثبوتيات يعلن الرجل أن الكرد ذهبوا بعيداً بالعلاقة مع إسرائيل، لأن داوود باغستاني أصدر مجلة اسمها «إسرائيل ـ كرد»
ويا ليت الرجل بقي في حال هذا الأمر بل يرى، وكأن هذه الخطوة مباركة من حكومة كردستان العراق، ويبدو أن كل هذه الافتراءات والأكاذيب لم تشف غليله، فذكر تفاصيل  بعيدة كل البعد عن منطق الحكمة والعقل،  وادعى – دون إبراز المصادر التي استقى منها معلوماته أن المرحوم ملا مصطفى البارزاني احتفل بعد ساعات من انتهاء حرب الـ 67 بنصر إسرائيل على طريقته الخاصة حيث جاء” أحد خدمه بكبش ضخم علق في رقبته شريطين أزرقين يتوسطهما شريط أبيض، وكتب عليه «هنئوا إسرائيل لاحتلالها جبل البيت» ولم يتمالك البرزاني نفسه فصرخ بأعلى صوته : هنئوا إسرائيل لاحتلالها بيت المقدس ..الليلة سنذبح خروفاً قرباناً لاحتلالكم القدس.
وفي تفسير متن المقالة والمعلومات المغلوطة فيها:
البارزاني عاش حياة الفقراء في حله وترحاله، وكان رجل جبل بكل معنى الكلمة، ولم يسمع أحد أنه كان يعيش في القصور الفخمة، وتحت وبين يديه الخدم والحشم.
 والبرزاني بحكم كونه رجل دين ومتعمق في العلوم الدينية، لا يقبل المنطق أن يتحالف مع أعداء العرب” المسلمين” وهم الإسرائيليون الذين بالنهاية هم أعداؤنا أيضاً طالما أنهم توسعيون وعنصريون وقتلة أطفال وشيوخ فلسطين، هم أعداؤنا ولا يمكن لذي بصيرة أن يقنعني بغير ذلك، وقدمت إسرائيل في الماضي والحاضر الدعم اللوجستي والعسكري لدولة مثل تركيا لتقتل طائراتها ومدافعها الأطفال والشيوخ الكرد في كردستان تركيا والعراق.
وكيف تحول الكبش الضخم في ” مصدر” شندي إلى خروف لا حول له ولاقوة!!!
يبدو أن السيد مجدي حاول أن يتجرد من ضمير الكتابة وهو الصدق، وغيَّب عن مقالته ” المسمومة” بأن البارزاني أعلن وقف لإطلاق النار من جانب واحد مع الحكومة العراقية في حربي تموز وتشرين حتى يسمح للحكومة العراقية بأن تشترك في الحرب،  والتي قالت فيما قالت ” ماكو أوامر” بل أن بعض المصادر تذكر أن البارزاني وضع البيشمركة الذين يدعي شندي أنهم يتدربون بإمرة الإسرائيليين في خدمة فلسطين إذا تطلب منه ذلك.
وفيما يخص باغستاني، أقول: هو ليس معياراً لكل الكتاب والمثقفين الكرد، ومجلته ليست طائرة ولا باخرة حتى تقل الكرد اليهود من إلى إسرائيل حسب زعم مجدي.
ولم أسمع أو أقرأ في أي مصدر أن كرد العراق يهاجرون إلى إسرائيل،  ومعظم الكرد الذين يعيشون في إقليم كوردستان هم مسلمون، ويدينون بالديانة الإسلامية، ولا وجود ليهود ولا مؤسسات إسرائيلية تابعة للموساد أو أية جهة أخرى في كردستان.

وصرح الرئيس مسعود بارزاني أكثر من مرة بأن من يقول هذا الكلام عليه تزويدنا بالوثائق اللازمة، وإلا يبقى كلامه محض افتراء.

في النهاية ما يعزينا أن أمثال شندي المتباكي على صدامه قلة، ولنا في صالح القلاب وأدونيس وأحمد زكريا وصنع الله إبراهيم و منذر الفضل وعبدالحسين شعبان وغيرهم الكثير مما يمكن التفاؤل بهم، والتحاور معهم لصنع مستقبل مشرق يعيد العلاقة إلى رونقها بين الشعبين الكردي والعربي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…