موجات الإعدامات وحمامات الدم في إيران

خالص مسور

انتابت مسيرة الثورة في إيران منذ قيامها عام 1979م وبعد وفاة روح الله الخميني يوم 3 حزيران عام 1989م إشكاليات سياسية وعقائدية رافقت مسيرة الثورة الخمينية التي باتت اليوم بحاجة إلى الإصلاح والتغيير، منها حالات التصلب السياسي والديني، وتسييس الدين ووضعه في خدمة السياسة وكرسي الحكم، وإدخال مفاهيم عقائدية انبنت على مقولات قد لا تكون مقبولة من جميع الإيرانيين كمقولة ولاية الفقيه مثلاً، والضغط على حريات الشعوب التي تعيش في كنف الدولة الإيرانية من كرد، وعرب، وأحوازيون، والبلوش.

وتعريض أمن إيران لخطر مميت، بانتهاج سياسة اللعب بالنار واختراع الصواريخ الهجومية، وإجراء مناورات عسكرية استفزازية لشعوب الدول المجاورة ، وإحداث قلاقل واضطرابات تمس أمن المنطقة والعالم كله
 وأخيراً وليس آخراً اللجوء إلى الإعدامات وقتل الأبرياء من الشعب الإيراني وأبناء الشعوب الأخرى وخاصة الكرد في إيران، باسم الإسلام بينما يقدس الإسلام الأرواح البشرية ويمنع إزهاقها إلا في حدود الشرع، والشرع لايجرم من يدافع عن المظلومين والمستضعفين في الأرض.

وأخطر أنواع السياسات التي تمارسها إيران هو المماحكة والاحتكاك مع الغرب وأمريكا المتكالبة أصلاً على مصالحها في المنطقة والتي لا تتورع عن استخدام الأسلحة الذرية التكتيكية ضد من يعادي مصالحها كما صرح بذلك المسؤولون الأمريكيون أنفسهم.

كل هذه الأمور اعتبرها الإصلاحيون الإيرانيون انحرافات خطيرة على صعيد الحالة الكاريزمية التي قامت عليها الثورة الإيرانية وأن الثورة قد انحرفت عن مسارها الطبيعي، حتى أضحت بالضد من مصالح الشعب الايراني ذاته.

 وهو ما جعلنا نرى اليوم ومنذ أكثر من عام مضى اشتداد الحراك السياسي لحركة إصلاحية إيرانية مصممة على تصحيح مسار الثورة الخمينية وإعادة المياه إلى مجاريها الطبيعية، متمثلة في أقطاب ورموز هذه الحركة مثل، الموسوي، وكروبي، والخاتمي، وهاشمي رفسنجاني و غيرهم، ممن يرون في إنقاذ الثورة الإيرانية من الإنحرافات والمزالق السياسية والعقائدية الخطيرة التي انزلقت إليها واجب ديني ووطني مقدس لا يمكن التهاون به.


ومن الانحرافات الأكثر خطورة وفي سابقة سوقية خطيرة هو حالة الاتجار بالإسلام وتشويه وتزييف اسم وأسس هذا الدين الحنيف، حينما اعتاد نظام الملالي في طهران وبين فينة وأخرى إصدار أحكام الإعدامات الجائرة عن طريق محاكم التفتيش بحق نشطاء الحركة الكردية بدم بارد، بحجة رفع السلاح في وجه الدولة الإسلامية.

فقبل يومين تم إعدام خمسة من شبان الكرد ممن يسيرون على دروب الآلام ويدافعون عن حقوق شعبهم الكردي البائس، ضد عنجهيات الحرس الثوري الإيراني، وظلم مئات السنين ومسيرة القهر والعذاب وانتهاك الحقوق والإبادة الجماعية السرطانية البطيئة، التي تمارس بحق شعب خدم شعوب المنطقة جميعها بتفان وإخلاص ووقف إلى جانبها في الشدة والمحن والمصائب.
 وقد ألهبت عواطف المشاهدين الرسالة التي وجهها إلى العالم كله أحد المعدمين الكرد قبيل إعدامه بساعات، يقول في رسالته ما معناه: (ها أنذا سأعدم بعيد ساعات وربما ساعة من الآن، لأنني مدافع عن حقوق شعبي المضطهد الذي تجرع ولا يزال يتجرع مرارة العنف والعذاب والحرمان ، وأتبرع بقلبي وسائر أعضاء جسدي لطفل أياً كانت لغته، حتى يخفق قلبي بجنبي هذا الطفل البريء الذي لا يعرف الحقد ولا القتل بعد، وحتماً سيحب هذا الطفل وسينجب ويحب أطفاله بقلبي الخافق بين أضلعه، فلنعش مع البلابل والطيور، ومع المياه العذبة، والرياح والنسائم، ونطلق الحمامات وننام مع الأحلام اللذيذة، لامع حبال مشانق الطغاة والمتجبرين في الأرض).

تلك كانت وصية أحد الذين أعدمتهم حراس الثورة الإيرانية قبل يومين فقط باسم الله والإسلام القومي المسيس.

بهذا الشكل يكافأ اليوم الشعب الكردي في إيران، بسلاسل لا تنقطع من الإعدامات والقتل المجاني على مذابح حفنة ممن يرون أنهم ظل الله ووكلاؤه في الأرض.

لا شك أنها جريمة العصر، أن يباد شعب لا يطلب سوى التآخي مع شعوب المنطقة، وعلى مرآى ومسمع من أصحاب الديموقراطيات وحقوق الإنسان.


وهكذا يبدو أن أسعار الحبال قد ارتفعت هذه الأيام في طهران لأن ماكنة إعدامات الملالي لا تكف عن الدوران لتحصد أرواح الشبان الكرد بسبب وبدونه، وقد بدت حبال المشانق تبهر عشماوية إيران وهي تلف حول رقاب بشر أبرياء من التهم الموجهة إليهم ليزهقوا أرواحاً حرم الله زهقها، فالله هو الذي أعطى الأرواح، وهو وحده الذي سيزهقها ولم يكلف أحداً يوماً بالنيابة عنه في هذه المهنة الهمجية الوضيعة.

هذه الإعدامات المأساوية تذكر المرء بمجادلة النبي ابراهيم(ع) مع نمرود الطاغية حينما قال له سيدنا ابراهيم : إن ربي الذي يحيي ويميت .

فقال نمرود : وأنا أيضاَ أحيي وأميت… ثم أطلق سراح أحد المحكومين بالإعدام، وقال ها قد أحييته… بينما قتل المحكوم الآخر وقال إني أمته…!.

وهكذا أيضاً وبالضبط يحدث في سجن نيفين وغيره من إعدامات بأوامر من الملالي الذين يوعزون بإطلاق بعض السجناء بل يخففون عنهم الحكم فيحيونهم نمرودياً هكذا، ويعدمون الآخرين فيميتونهم كالآلهة تماماً، فيبدو أنهم بهذا قد نصبوا أنفسهم أوصياء على أرواح الناس والعباد.


والمأساة هنا هو أن كل من قام يدعو في المنطقة اليوم إلى مآربه الشخصية أدخل هذا الدين الحنيف إلى الساحة الدموية، فأصحاب الأحزمة الناسفة يقتلون باسم الإسلام في أسواق العراق أطفالاً يشترون ألعاباً للطفولة البريئة، ويدعون أنه الجهاد في سبيل الله، وإسرائيل تقتل بعنجهية متناهية الطفولة البريئة في أطفال غزة وتقول إنها وصايا التوراة، ونظام الملالي في إيران يعدمون الشبان الكرد بوصايا الإسلام المسيس.

هكذا حينما أراد هؤلاء الحكم والسياسة نادوا بالجهاد ضد شاه الطاغية الخارج عن الدين، واليوم حينما يريدون تصفية الخصوم والإمساك بكرسي الحكم الذي بدأ يتزعزع تحت وطأة ضربات الشعوب الإيرانية والحركة الإصلاحية الإيرانية، يخترعون مقولة رفع السلاح في وجه الدولة الإسلامية.

ومن مجمل ما ذكرنا نستنتج بأن الكرد يتعرضون اليوم للإبادة بشكل منهجي منظم في بلادهم، يشارك فيها العالم كله بسكوته عما يحدث في إيران اليوم من إعدامات دون أن يرف لأحد جفن ودون محاكمات عادلة ونزيهة.

هكذا يتم إبادة الكرد الذين يصفهم الغرب وأمريكا من جانبهما ظلماً بالإرهاب، مع أنه لم يسبق لهم أن خطفوا طائرة واحدة ولا احتجزوا رهائن، ولم يقتلوا أمريكياً، ولم ينهبوا دولاراً أمريكياً واحداً، ومع هذا فهم إرهابيون وكفى.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عاكف حسن في كل مرحلة سياسية معقدة، يظهر مصطلح يلمع أكثر مما يشرح، ويُستخدم أكثر مما يُفهم. في حالتنا، اسم هذا المصطلح هو: “الاندماج الديمقراطي”. هذه ليست نظرية سياسية بقدر ما هي وصفة سحرية جاهزة، خرجت من فضاء أفكار عبد الله أوجلان، لا من رحم التجربة السياسية والاجتماعية لروجافا. ومن هنا يبدأ الالتباس: مشروع لم يُصغَ على قياس طموحات الناس…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* عادة ما تثير الحروب الخارجية المشاعر القومية لشعوب أي بلد. لكن في إيران، لا يرحب الشعب بالحرب، بل سيكون سعيدا إذا كانت هذه الحرب تتماشى مع مقاومته لرفض الدكتاتورية في إيران. ذلك لأن الشعب الإيراني قدم الكثير من الضحايا طوال فترة حكم الأنظمة الدكتاتورية. على سبيل المثال، خلال النظامين الدكتاتوريين الأخيرين، قدم الشعب الإيراني مئات الآلاف من…

فيصل اسماعيل   في السياسة، لا تبدأ الحروب الكبرى بإعلان رسمي، بل بإشارات خافتة، واصطفافات صامتة، ورسائل تُقرأ بين السطور. ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن اختزاله في مجرد توتر عابر، بل هو مشهد معقد يذكّرنا – ولو جزئيًا – بأجواء ما قبل الحرب العالمية الثانية. قبل اندلاع تلك الحرب، لم يكن العالم يفتقر إلى التحذيرات، بل…

صديق ملا   التقارب والإنسجام داخل الحركة السياسية الكوردية في كوردستان سورية أمر بالغ الأهمية لتحقيق أهدافهم السياسية المشروعة حسب المواثيق والأعراف الدولية ، كما أن الوحدة بين القوى الكوردية تعزز الشعور بالانتماء الوطني وتقوي الوحدة الداخلية، مما يساهم في تحقيق مطالبهم المشتركة. كما أن وحدة الصف والموقف الكردي تمكِّن الشعب الكردي من تحقيق الكثير من المكاسب شأنه في ذلك…