البيروسترويكا كُردياً

  أمجد عثمان   

إعادة البناء والهيكلة، أو ما عرف ببرنامج الإصلاحات “البيروسترويكا” الذي أطلقه الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي السابق “ميخائيل غورباتشوف” لم يكن كافياً لتفكيك منظومة عملاقة كالإتحاد المركزي السوفييتي الذي استفحل الفساد في بنيانه، لولا معية “الغلاسنوست” وتعني المكاشفة والشفافية، التي ترافقت وبرنامج غورباتشوف الإصلاحي، وليس من الصواب تحميل أيٌ من الإصلاح أو الشفافية وزر انهيار أكبر الأقطاب السياسية في العالم، بل إنها كانت الأكثر جرأة ربما على إعلان النعوة السياسية لذلك الكيان، لذا أعتقد بعدم جدوى استمرار السؤال عن بدائل لثنائية “الإصلاح والشفافية”.
“البيروسترويكا” الإصلاح و”الغلاسنوست” الشفافية، تكرر نفسها اليوم في ثنايا المشهد السياسي الكُردي في سوريا، كضرورة ملحة لإعادة الهيكلة تنظيمياً وسياسياً، إذ شهدت سوريا حراكاً كردياً بعد عام 1957 حين تأسس أول حزب سياسي ضم طيفاً واسعاً من الكُرد في سوريا، طالب منذ ذلك الحين بالحقوق الثقافية والسياسية وضرورة الاعتراف الدستوري بوجود هذا المكون الأصيل الذي تشكل نسبته مابين 12-15% من الشعب السوري.

ومن المؤسف القول بأن مختلف التحركات السياسية لهذه الأحزاب كبيرها وصغيرها لم تتعد كونها قفزات داخل القفص كنتيجة لإصرار السلطات المعنية في سوريا على المضي في تجاهل المطالب السياسية لهذه الحركة ككل.

الآن وبعد انقضاء نصف قرن من حياة الحراك السياسي الكردي في سوريا تعرض هذا الحراك خلالها لعدة أزمات داخلية أدت إلى توالد مفرط في عدد الأحزاب الكردية، نتيجة لسلسة انشقاقات تراوحت دوافعها بين خلافات فكرية وخصومات شخصية، وخلص المشهد اليوم إلى تصنيف قلة من تلك الأحزاب على أنها كبيرة جماهيرياً أو تنظيمياً وأخرى صغيرة، لا يتجاوز منتسبوها حدود عائلة الأمين العام وأصهاره وأنسبائه، وتعزى قابلية التصدع لدى هذه التنظيمات إلى تقليص الهامش الديمقراطي وانكماشه لصالح “المركزية” المسرفة في الهيمنة على القرار السياسي والمتحكمة في الإدارة الداخلية للهيئات الحزبية على حد سواء.

والمركزية كنظام إدارة وكعادتها، هيأت الظروف المؤاتية التي مكنت الفساد من التسلل إلى أهم مفاصل الحزب لاسيما القيادات، المتمترسة خلف أنظمة داخلية رثة ترجح دوما المركزية على الديمقراطية وتمنع ظهور أية توجهات جديدة داخل الحزب وتقمع بشدة أية دعوة للإصلاح أو المحاسبة داخل الحزب متذرعة بكل ما من شأنه أن يخدم الأمين العام وحاشيته، وتبقي على الحزب بأسره تحت سطوة هذا (الأمين).

وبينما كان مشروع الفساد الحزبي الكردي في سوريا يكاد يكون محصوراً في مسألة احتكار القيادة وتعميم (الرؤى) والمزاج الشخصي الخاص بالسكرتير أو الأمين العام للحزب كبرنامج سياسي ينبغي على جميع الأعضاء الالتزام به والتصفيق له وضرورة إبداء الإعجاب بشخص ا(لأمين) العام كحد أدنى وشرط أساسي لنيل صفة العضوية في الحزب، فقد تخطى الفساد تلك الحدود لدى “الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا”، أحد أقدم الأحزاب الكردية في سوريا، بقيادة عبد الحميد درويش 74 عاماً الذي استمرأ قيادة الحزب طيلة 53 عاماً باحتوائها، وبدأ الآن مشروعه في توريث الحزب ومقدراته التنظيمية والمالية من خلال إجراءات تصفوية أتخذها بحق صفوة من الكوادر خلال مسيرة الحزب كان آخرها محاولة إبعاد القيادي “فيصل يوسف” عضو المكتب السياسي مع مجموعة كبيرة من مؤيدي الإصلاح في الحزب خلال الأشهر الماضية، بعد أن ارتفعت وتيرة الأصوات المطالبة بالإصلاح والتجديد و البدء بالتحقيق في قضايا اختلاس أموال ومخصصات الطلبة التابعين لهذا الحزب في مدينة السليمانية في كردستان العراق.
وخلافاً لما جرت عليه العادة من إعلان انشقاق أو ولادة حزب جديد تعقب كل خلاف حزبي، يبدو أن الجناح الإصلاحي في الحزب التقدمي وتحت شعار الإصلاح والشفافية حاول من خلال تجسيد بيوريسترويكا كردية المضي في مشروعه الإصلاحي الرافض للتأبيد والتوريث داخل الحزب داعياً في ذات الوقت إلى استمرار التحقيق في قضايا الفساد المالي.
 
ومن نافل القول أن المشاريع الإصلاحية داخل الأحزاب لن ترى النور من خلال رفع الشعارات وإثارة النقاشات بل المسألة بحاجة لمواقف حاسمة تشمل التغيير في الرؤية والنهج والممارسة وأن تنطوي التحركات الإصلاحية على بعدٍ في النظر ودقة في الرؤية الإستراتيجية، وأن تمتلك القدرة على التوفيق بين المصالح الآنية والمستقبلية وضرورة إدراك حجم وطبيعة التغيير الذي يعيشه الحزب وتعيشه الأطياف السياسية الأخرى المحيطة بالحزب من اصطفافات حزبية وأجواء سياسية عامة في الوطن الذي تتفاعل داخلَهُ كل تلك العناصر.

تحتاج مشاريع البيروسترويكا في أي مكان إلى تجاهل ما روج له بعض المكسوفين من انهيار الاتحاد السوفييتي من توصيف للديمقراطية على أنها (مخادعة)، والتركيز على الحفاوة التي قابل بها أبناء تلك الجمهوريات السوفييتية ذلك الانهيار معتبرين إياه إنعتاقاً وظفراً بحريتهم والتحقق من أن سيف الفساد سبق عذل غورباتشوف وبيروسترويكاه.

من الخطأ إذاً الحديث عن بدائل للإصلاح الجاد والشفافية التامة ومن الخطأ أيضاً الظن بأن الدعوة للإصلاح هي دعوة للنوم على الحرير، فالإصلاح لا يأتي مجاناً دون تضحيات وخسائر، وغالباً ما تحتاج إعادة البناء إلى نوع من التفكيك الواعي والمنتظم.

فالحزب التقدمي اليوم وأعضاؤه أمام تحدٍ أساسي وخيارات واضحة بين قبول الصعود كفصيل سياسي متحاور ومتفاعل مرتكز إلى القاعدة الإصلاحية التي تبلورت مؤخراً أو أن يسقط كأفراد بينهم من يمتلك الثروة لكنه لا يمتلك بيئة العمل الجماعي المناسب ومنهم من يمتلك رؤى إصلاحية لكنه لم يتحل بعد بالشجاعة الكافية ليفصح عنها.

كاتب كردي مقيم في سوريا
Amjad_ib@hotmail.com

ايلاف

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…