رئيسٌ تزدان به الرئاسة

بقلم: صلاح برواري

   منذ التصريحات الاستفزازية للسيد طارق الهاشمي، نائب رئيس جمهورية العراق، حول “ضرورة تولي عربي سني رئاسة جمهورية العراق!”، والمقالات والتصريحات المستنكرة لذلك القول (الذي أقل ما يقال عنه، إنه عنصري وطائفي) تتوالى، سواء من الكورد أم العرب، سنة وشيعة.

   تلك التصريحات المتسرعة وغير المدروسة، أثارت قلقاً بالغاً في الأوساط السياسية والشعبية العراقية.

وهو قلق مشروع؛ لأنه يثير مخاوف من عودة تفكير البعض، في حصر منصب رئاسة العراق بقومية معينة، أو طائفة بعينها؛ مما يعني عودة شبح القلق وفقدان الثقة، ودوامة الاضطهاد وسفك الدماء، بين أبناء البلد الواحد، على اختلاف أعراقهم وانتماءاتهم، ووضع العراق مجدداً على كف عفريت!.
   إذا كان السيد الهاشمي لا يزال مصراً على طرحه ذاك، مع أملنا بأن يكون الأمر زلة لسان ليس إلا؛ فلِمَ لم يعترض أجداده من ذي قبل، على تولي سلطان الإسلام والمسلمين (صلاح الدين الأيوبي الكوردي) قيادة الأمة الإسلامية جمعاء، وتحريره للقدس الشريف؟!.
   هل نقول إن أجداد السيد الهاشمي، كانوا ملتزمين النصوص القرآنية، الواضحة المعنى والدلالة، في عدم التفريق بين مسلم وآخر، إلا بدرجة الالتزام بالإسلام وخدمته؛ مما دفع أشخاصاً عظاماً في التاريخ الإسلامي (مثل السلطان نور الدين زنكي التركماني، والسلطان صلاح الدين أيوبي الكوردي، والسلطان الظاهر بيبرس الشركسي) إلى قيادة معارك الأمة الإسلامية ضد أعدائها، وتسطيرهم الانتصارات والأمجاد، التي خلدها التاريخ جيلاً بعد جيل؛ بينما السيد الهاشمي قد نسي، أو تناسى، تلك النصوص القرآنية والأمجاد التاريخية الإسلامية؟.
   وعلى قاعدة (الشيء بالشيء يُذكـَر) نقول: لننظر أيضاً إلى التاريخ السياسي الحديث لسورية والعراق.

ألم يكن أول رئيس للجمهورية السورية كوردياً (محمد علي العابد)؟، مع كثير من الساسة والقادة السياسيين والعسكريين الآخرين، الذين تركوا بصماتهم الواضحة على صفحات تاريخ سورية الحديث.
   أوَلم يكن أشهر رئيس وزراء في تاريخ العراق الحديث (نوري باشا السعيد) كوردياً أيضاً؟.

إذ تشير المصادر التاريخية السياسية العربية المعتبَرة، إلى أصله الكوردي الواضح، إضافة إلى الكثير من الساسة والقادة السياسيين والعسكريين الآخرين، ممن تركوا بصماتهم الواضحة على صفحات تاريخ العراق الحديث.

   الرئيس جلال طالباني، في الحقيقة، لا يحتاج إلى من يدافع عنه، أو يشيد بانجازاته للعراق – أرضاً وشعباً- منذ أيام المعارضة الوطنية العراقية، وحتى الآن.
   فعلى أيام المعارضة الوطنية العراقية، مثلاً، كان الصحافيون والإعلاميون العرب، يلقبون السيد طالباني بأنه “دينمو” المعارضة  العراقية وحركتها الوطنية (منذ أيام الجبهة الوطنية القومية الديمقراطية/ 1981).

والمؤتمرات العديدة لتلك المعارضة، تشهد للسيد طالباني، بدوره الوطني التوفيقي، بين مختلف أطياف المعارضة الوطنية العراقية.

وتشهد له أيضاً ببلاغته العربية الفذة، في خطاباته السياسية المعروفة، في تلك المؤتمرات.
   وأذكر أنه قبل مؤتمر بيروت للمعارضة الوطنية العراقية، تمنى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، على صديقه مام جلال، السعي إلى لملمة صفوف المعارضة الوطنية العراقية، بكل اتجاهاتها وأطيافها؛ في محاولة لعقد “مؤتمر قِمّة” بين هذه الأطراف، لما فيه خدمة العراق والعراقيين.
   تمكن مام جلال، بحنكته السياسية المعروفة، من توحيد الخطاب السياسي الكوردي والعلماني العراقي، تاركاً مهمة توحيد الخطاب السياسي الديني العراقي، لصديقه (آية الله العظمى مولانا محمد باقر الحكيم) رحمه الله.
   وحين أثمرت جهودهما في توحيد الخطاب الوطني العراقي المعارض، توجها معاً إلى مكتب السيد (عبد الحليم خدام)، نائب الرئيس السوري آنذاك، لإيصال تلك البشارة إلى الرئيس حافظ الأسد (رحمه الله)، للبدء بالعمل على عقد ذلك المؤتمر.
   تناول السيد خدام جهاز الهاتف، وهو يقول:
   – وأخيراً… سأخبر الرئيس الأسد بأن السيدين طالباني والحكيم، تمكنا من إقناع الأطراف العراقية الفاعلة، لعقد مؤتمر “قـُمّة”.
هنا، ضحك مام جلال، قائلاً:
– الله يخليك أبو جَمال، احنا ما اتفقنا على مؤتمر “قـُمّة”!، شنو هذا الحكي يا أخي؟.
  استغرب خدام ذلك أشد الاستغراب، والتفت إلى مولانا الحكيم؛ الذي كان بدوره مستغرقاً في الضحك، مثل مام جلال.

وحين استفسر منهما عن سبب هذا الضحك، أجاب مام جلال:
   – اخبرْ صديقنا الرئيس حافظ الأسد، بأننا اتفقنا على عقد مؤتمر “قِمّة”- بكسرة تحت القاف، وليس مؤتمر “قـُمّة”- بضم القاف!.
   عندها سأله خدام عن الفرق بين الكلمتين؟ فأجاب مام جلال:
   – قِمّة (بكسرة تحت القاف) تعني: ذروة أو أعلى الشيء.

بينما قـُمّة (بضم القاف) تعني: الزبالة!.

وهذا موجود في القواميس العربية، وليس في القواميس الكوردية!.
   استغرق الثلاثة في الضحك، وقال السيد خدام معقباً:
   – والله شي حلو، كوردي يعلمنا العربية!.
   لا نريد أن نغمز من قناة السيد الهاشمي؛ لكن المسألة تحتاج حقاً إلى وقفة ضمير!.
   ألم يكن السيد الهاشمي أحد أقرب المقربين إلى الرئيس طالباني، بحكم كونه نائباً له وصديقاً مقرباً إليه؟.

أوَلم يسمع بنفسه من فخامة الرئيس، مراراً، تمنيه مجيء ذلك اليوم، الذي لا يعود فيه العراق بحاجة إلى خدماته كرئيس، بعد أن ينعم بالأمن والاستقرار؛ ليستريح هو أيضاً مرتاح الضمير، بعد طول عناءٍ في عالم السياسة المرهق، الذي خصص له كل عمره؟.
   ومتى كان السيد طالباني طالِبَ رئاسة، لو لم يكن العراق في حاجة إلى رئاسته؟.

أليست الأطراف السياسية العراقية، العربية منها قبل الكوردية، هي التي تسعى إلى إقناع سيادته بالاستمرار في مسؤولية الرئاسة؛ لأن في ذلك ضمانة لوحدة وأمن العراق، أرضاً وشعباً؟.
   لقد أثبتت الأحداث، وتثبت في كل يوم، أن منصب الرئاسة يزدان برئيس مثل مام جلال، وليس العكس أبداً، ولو كرهَ الكارهون!.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…