لم يبقى إلا الإنترنت حتى يعيثوا فيها فساداً

زيور العمر

في مسعى منها لإسكات الأصوات المنتقدة لتردي الحالة السياسية الكردية في سوريا , و صد الهجمات التي يشنها بعض الكتاب الكرد , على آداء و سياسات الأحزاب الكردية , و ممارسات و سلوكيات قياداتها , وضعت معظم القيادات الكردية , في الآونة الأخيرة , في سلم أولوياتها و إهتماماتها , خنق تلك الأصوات في حلق أصحابها , بعد أن إكتشفوا أن وصولها الى آذان القارئ , تثير حالة من الغضب و الشجب و الإستنكار لدى الرأي العام الكردي.

يبدو أن الهجوم على هؤلاء الكتاب , و إتهامهم , تارة بالمرض , و تارة أخرى بالعمل لصالح أجندات معادية للشعب الكردي لم تسفر عن أية نتيجة , بل بالعكس , إزدادت أمواج النقد في البحر الكردي الراكد , حتى بات المتضررون منها , يخشون من تسونامي كردي , يهدد أسس و بنيان العشوئيات السياسية الكردية القائمة.
ففي محاضرة في قاعة نور الدين ظاظا تحت عنوان (الإنترنت و سيلة للثقافة و المعرفة و ليست أداة للتشهير و التشنيع) حاول عبد الحميد درويش سكرتير حزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا , أن يسجل لنفسه, سبقاً سياسياً, من خلال الإعلان عن مشروعه الجديد, و على الملأ , و هو القيام بحملة بين (المثقفين) و (الكتاب) الكرد , و أصحاب المواقع الكردية على شبكة الإنترنت , من أجل منع نشر و ترويج النتاجات السياسية المختلفة مع الرؤى التقليدية في الساحة الكردية على شبكة الإنترنت ! بذريعة أن الإنترنت فضاء لتبادل الثقافة و المعرفة , متناسياً في الوقت نفسه أنها أسرع شبكات الإتصال و التواصل البشري , التي من خلالها تنتقل المعلومة و الخبر , على إختلاف صنوفها و أشكالها بين البشر , دون أن تمر في دهاليز الرقابة التقليدية , إي أنها بإختصار فضاء ديمقراطي حر , بلا قيود و حواجز و جمارك , يتبادل فيه البشر التجارب المتراكمة في مسيرة التطور الإنساني .
و لكن , و نظراً , لأن عبد الحميد درويش و باقي أقرانه من الأمناء العام و سكرتيري الأحزاب الكردية , هم أخر من يحق لهم التحدث في الثقافة و المعرفة , لأنهم كانوا أول من أفرغوا المشهد الكردي , من كل مسحة ثقافية ومعرفية , يشهد عليها , الحراك الثقافي الكردي الكساحي في الوقت الراهن , و الذي يشكل الحالة السياسية إحدى إنعكاساته الطبيعية , فإن من الطبيعي أن لا نعير للجانب الثقافي و المعرفي أي إهتمام , في هذه المناسبة على الأقل , عند مناقشة سبل الإستفادة من التكنولوجيا و ثورة المعلومات , التي يشكل التواصل البشري , كما أسلفنا , أحد أهم إنجازاتها على الإطلاق , و لا أشك في نفس الوقت من أن الهدف من المحاضرة التي ألقاها عبد الحميد درويش لم يكن تشجيع و حث الكرد في سوريا على رفع منسوبهم الثقافي و المعرفي من خلال شبكة الإنترنت , و إنما محاولة من أجل فرملة الحركة النقدية الجديدة التي تمخضت عن تعامل الكرد مع الشبكة العنكبوتية , و خنقها , و دفنها في مهدها.


و لكن , و مع ذلك , يحق للسيد درويش أن يخشى من الإنترنت.

فمن خلال ميزات هذه الشبكة , إستطاع الكرد في سوريا , على الأقل , أن يقفوا على الإساءات التي تسبب بها لشعبه , وأن يشهدوا على مشاهد و فصول التآمر التي تورط فيها , عبر تاريخه الطويل , و أن يشاهدوا إنجازاته في إضعاف الكرد من خلال شرزمتهم و تفتيتهم , و هي إتهامات لا نطلقها من فراغ , و إنما لدينا من الشواهد و الأدلة ما تكفي لتفقع أكبر العيون و أجحظه .
فلم يبقى إلا الإنترنت حتى يعيث فيها درويش و غيره من قيادات الأحزاب الكردية فساداً و خراباً , لأنهم بأختصار , أشبعوا المشهد الكردي , سياسياً و ثقافياً و إجتماعياً , بكل السلع الفاسدة , بعد أن صادراتها كل الأسواق السياسية , و لم يبقى لها رفوف , إلا في دكاكين الأحزاب الكردية , حتى يجهزوا على كل أمل و طموح متبقي لدى شعبنا.
فمن خلال الإنترنت شهدنا, عن قرب , إتهامات خطيرة غير مسبوقة أطلقها قيادات الأحزاب  الكردية بحق بعضها البعض , و نذكر على سبيل المثال لا الحصر , إتهام السيد درويش نفسه لمعظم الأحزاب الكردية بأنها نتاج السياسة الأمنية , فضلأ عن إتهامات مضادة من قيادات أخرى له و لجماهيره على انهم يشكلون الطابور الخامس بين الشعب الكردي , و هنا نسأل السيد درويش : هل هذه الإتهامات إنجاز ثقافي أو معرفي , أم تشنيع و تشهير و تعريض الحالة الكردية الى المزيد من السقطات الخطيرة ؟ , و تعرفنا  كذلك من خلال الشبكة العنكبوتية على الصراعات الحزبوية , و المناكفات الشخصية , و المؤامرات التي تدبرها الأحزاب الكردية على بعضها من جهة , وعلى شعبها من جهة أخرى, ناهيك عن المناقشات البيزنطية , و الحوارات الوهمية التي تثيرها إدعاءات البحث عن تشكيل إطار يجمع الأحزاب الكردية , في سبيل إلهاء الشارع الكردي , كما لو أن القيادات الكردية في سوريا , لا تنام ليلاً , و لا تجلس نهاراً,  في سبيل إستعادة ثقة الجمهور الكردي, في الوقت الذي تشير فيه كل المعطيات إلى أن القائمين على شؤون هذه الأحزاب , لا تبخل جهداً في سبيل إغراق المشهد الكردي , أو ما تبقى منه في المزيد من العبث و السلبية.


لذا فإن الإنترنت كان فضاءاً حيوياً للمغلوبين على أمرهم من أبناء شعبنا , و فرصة  لهم لمعرفة ما يجري من حقائق صارخة على أرض الواقع , إرتبطت بسياسات الأحزاب الكردية , و ممارسات قياداتها , و لم تكن وسيلة لممارسة التشهير و التشبيع , كما يدعي عبد الحميد درويش و هرط من مريديه و أتباعه , و إن كنا لا ننكر أنها كانت بالفعل تطور تاريخي وفرت إمكانية فضح كل الإساءات أمام الشعب الكردي , و تعرية جميع الممارسات الهدامة , و السلوكيات و التصرفات النافرة من قبل هذه الأحزاب.

21/11/2009

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين هل كنا نحتاج لاثني عشر شهرا حتى نفهم ما حصل؟ هل اصبح الوقت بلا قيمة لهذه الدرجة؟ هل الوضع السوري الدقيق ما بعد سقوط الاستبداد يتحمل هذا العبث بالحالة الكردية السورية؟ هل ما يحتاجه الكرد اليوم إعادة انتاج المشهد الحزبي الفاشل بدلا من طيه بعد المراجعة النقدية؟ هل فعلا ان وحدة الكرد متوقفة على تلاقي مراكز حزبية كانت…

الأخبار الكوردستانية الكوادر التي فُرضت على مؤسسات وبلديات روج آفا من قبل قنديل لم تكن كوادر مؤهلة ولا تمتلك أي أساس إداري أو مهني. أغلبهم من كرد باكور، بلا شهادات، بلا خبرة، وبلا أي معرفة بإدارة مجتمع أو مؤسسات، سوى دورات أيديولوجية مغلقة تُدرَّس في كهوف قنديل، قائمة على تمجيد فكر أوجلان، وهو فكر منسوخ أصلاً من كتابات يالجين كوجوك….

كفاح محمود   لم يكن سقوط نظام الرئيس صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 نهايةً فعليةً للدكتاتورية في العراق، بقدر ما كان انهيارًا لشخص النظام ورموزه الأكثر فجاجة، فيما بقيت في العمق ذهنيةُ الإقصاء والغلبة ومصادرة الدولة لصالح فئةٍ أو حزبٍ أو جماعة، وما جرى بعد ذلك لم يؤسس، كما كان مأمولًا، لدولة مواطنة حديثة تنقض إرث الاستبداد، بل…

شادي حاجي الحيرة التي يعيشها الشعب والأحزاب والنخب الثقافية والمجتمعية الكردية اليوم ليست حالة عابرة ، بل انعكاس لأزمة أعمق بكثير من مجرد غياب “ صيغة سياسية ” جامعة . فالمشكلة لم تكن يوماً في نقص المؤتمرات والاجتماعات أو الوثائق ، بل في تراكم انعدام الثقة ، وتضارب المصالح الحزبية والشخصية والارتباطات الكردستانية والاقليمية ، وتباين الرؤى حول شكل حل…