مخطط أم مجرد صدفة ؟

زيور العمر

بصورة مفاجئة وعلى حين غرة تصاعد الحديث عن مؤتمر وطني كردي , و هذه المرة من الأحزاب المعروفة بمعارضتها , او المتهمة بمعارضتها لتشكيل أي إطار سياسي تمثيلي , يجمع تحت مظلته , جميع الأحزاب الكردية الراهنة في سوريا .

ما الذي حدث , حتى تغيرت الموجة السياسية , من الحديث عن المجلس السياسي الذي إقترحه عبد الحكيم بشار , سكرتير البارتي , الى الحديث عن المؤتمر الوطني الذي ينادي به كل من حزب الوحدة و التقدمي ؟ و هل هناك من علاقة محتملة بين الموضوعين ؟ و الذين أصبحا الشغر الشاغل لكل من يريد أن يصبح لعبة في يد هذه الأحزاب , و جزءا ً من تآمرها على شعبنا .
قنلنا في معرض سابق في هذا الشأن , أن الأحزاب الكردية في سوريا , ليست في وارد إحداث أي إنفراج سياسي في الحالة الكردية , الموصوفة بالإنسداد , و لا في نيتها , بأي حال من الأحوال , إخراج المشهد السياسي الكردي من حال الإنقسام و التشرزم , لأنها بكل بساطة هي من أدت بالحالة الكردية إلى هذا المستوى من الإنقسام المريع , جراء التناحرات الشخصية و الفئوية بين قياداتها , و ليس بسبب الإختلافات السياسية و الفكرية بين أحزابها.
 مشروع المجلس السياسي مات قبل أن يلد , و عدم إمكانية تحقيقه , سببه تناقض الأهداف , و إختلاف النوايا
.

و الحديث المفاجئ عن المؤتمر الوطني الكردي , ليس مجرد صدفة , و لا هو من قبيل محاولة لإخراج الحالة السياسية الكردية من عنق الزجاجة , بل أنه مخطط جديد في سلسلة آلاعيب تفننت القيادات الكردية في التمرين عليها , من أجل إبقاء المشهد الكردي مفككا ً و مقسما ً.

فالدعوة التي وجهت الى كل من الوحدة و التقدمي من اجل الإنضمام الى مناقشة مشروع المجلس السياسي , ما كانت إلا من أجل نسف المشروع من اساسه , على إعتبار أن المشروع نفسه , ما كان ليطرح , لو أن الوحدة و التقدمي وافقا على إتمام خطوات تشكيل المرجعية السياسية الكردية في سوريا , بعد أن تم الإتفاق على الرؤية السياسية المشتركة , و الخلاف كان فقط  حول توقيت طرح الرؤية على الجمهور , و ليس حول بعض النقاط فيه , و التي ما لبثت أن أصبحت في فترة لاحقة إحدى نقاط الخلاف.
 و السؤال , الآن , لماذا هذا التغيير المفاجئ , و ما الهدف منه ؟  هنا لا بد من توضيح بعض النقاط التي علها تفسر بعض الجوانب الخفية من الممارسات في المشهد السياسي الكردي .

مشروع المجلس السياسي كان فكرة سكرتير البارتي , و منذ زمن , عندما كان ما يزال عضو في المكتب السياسي لحزبه , و المرشح لتولي المنصب الأول , عند غياب أو رحيل السكرتير , في هذه الفترة شهد البارتي تحولات طالت بعض مواقفه و مفردات خطابه , من خلال القرارات التي أتخذت في المؤتمر الأخير , و التي جاءت إنسجاما ً مع ما يطرحه الأحزاب التي تتدعي قيادة النهج التصعيدي ضد النظام .

و جراء العراقيل التي خلقتها الوحدة و التقدمي أمام مشروع المرجعية السياسية الكردية , كان من الطبيعي أن يطرح عبد الحكيم بشار المشروع على الأحزاب الأخرى , والتي لم تتردد في الموافقة المبدئية عليه , و لحسابات حزبية , كما قلنا في السابق .

و عندما شعر سكرتير البارتي أن مستوى وحجم الإمتعاض الذي تحمله هذه الأحزاب تجاه الوحدة و التقدمي , كفيل بإنجاح مساعي إنشاء المجلس السياسي , إقترح توجيه الدعوة الى الوحدة و التقدمي للإنضمام الى طاولة مناقشة المشروع , و هو يدرك أنهما لن يقبلا الدعوة , من أجل نسف المشروع ,  لأن المضي فيه بدونهما , كان ممكن أن ينجح , لحسابات حزبية و شخصية , و هو ما كان ليعرضه للمساءلة الأمنية من قبل الإستخبارات السورية , وهو الذي أجهد في التلميح لها , عن حسن نوايا من خلال مقال , تنصل فيه من جميع قرارات حزبه , و توصيات مؤتمره .


و السؤال الأهم بعد كل هذا ما العمل ؟
إذا نحن هنا أمام مؤامرة جديدة , و لعبة قذرة , من قبل الأحزاب الكردية , في سلسلة ألعاب , الهدف منها إلهاء الشارع الكردي و جمهوره , و هذه المرة بين البارتي بقيادة حكيم , و التقدمي بقيادة حميد من أجل نسف المجلس السياسي أو فكرته على الأقل , من خلال الإصرار على مشاركة جميع الأحزاب في المجلس السياسي , و هو ما لا يمكن تحقيقه على مستوى ثلاثة أحزاب , فكيف على مستوى على الأحزاب الكردية جميعها.


و إزاء كل محاولات الإلهاء هذه , التي تحرص الأحزاب الكردية على ديمومتها و إستمرارها , بغية إغراق المشهد الكردي في المزيد من السلبية , بما يخدم مخططات النظام الشمولي , الذي يستمد أسباب بقاءها , من ضعف الحالة السياسية بين المكونات الوطنية من جهة , و في داخل كل مكون من جهة أخرى , لا يبقى لنا إلا أن نزداد إصرارا ً و عزيمة , على محاربة هذه الأحزاب , و تعرية و فضح ممارساتها , و المستوى الخطير الذي وصلت إليه القيادات الكردية في التواطئ و التأمر على الشعب الكردي في سوريا.


فإعطاء الفرصة لهذه الأحزاب و القيادات لتمرير ما تبقى في جعبتها من مشاريع التأمر , سيلحق , بلا أدنى شك , المزيد من الضرر بقضيتنا , و سيغرق أحواله في المزيد من الفوضى و التشويش , و هو ما يستفيد منه النظام .

لذا من الضروري الوقوف بحزم ضد هذه الممارسات , و محاربة أصحابها بكل الإمكانات.

8/7/2009

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…