الفيـــوز

ديـــار ســـليمان

الفيـوز أو المنصهر هو جهاز يستخدم لحماية الأجهزة الكهربائية من إرتفاع التيار الكهربائي، ويعتبر أبسط أجهزة الحماية الكهربائية حيث يحتوي على سلك معدني ينصهر عند مرور تيار كهربائي مرتفع فيه وبذلك تنقطع الدارة الكهربائية ويتوقف مرور التيار، ويصنع الفيوز حسب تقديرات تيارية حيث يشير مقياس التيار الى مقدار الكهرباء التي يتحملها دون إحتراق، ويحدد المقياس بقطر السلك المستخدم في الجهاز، وبعض الفيوزات تستطيع تحمل كسر من الأمبير ويستطيع البعض الآخر تحمل مئات الأمبيرات.

أرجو بدايةً ملاحظة أن هذا ليس مقالآ في الفيزياء ولكنه مقدمة للحديث عن الفيوزات التي تحتويها أجساد بني البشر والتي قد تحترق لعوامل شتى، منها مثلآ أن يسُـلط على أحدهم وبشكل مفاجئ تيـار ضوء قوي بعد أن كان يعيش في الظلام فيؤدي ذلك الى إحتراق فيـوزاته والذي يؤدي بدوره الى إنقطاع التيار عن الطابق العلوي من جسمه، فيقال مجازآ أن فلانـآ إحترقت فيوزاتـه كناية عن إتيانه بأقوال وأفعال غير متزنة، كما يقال أيضآ في مثل هذه الحالة إنه أجر طابقه العلوي، ربما مفروشآ مع العفش القديم، مع ملاحظة أن بعضهم لا يمتلك أي فيـوز فيعيش ويموت (مطفيـآ) أي ربي كما خلقتني.
أولى الفيوزات المتفحمة والتي لا زال الدخان يتصاعد منها ولم أكن في وارد تناولها ولكنها طرأت على الموضوع هي فيوزات اللجنة الوزارية التي قامت بجولة (سياحية) في محافظة الحسكة لدعم فيوزات الموطنين التي أحرقتها قرارات سـلطة التوتـر العالي، حيث خرجت اللجنة بتوصيات تم ترجمة بعضها الى لكمـات قهرت مشاكل المواطنين بالقاضية وليس بالنقاط، حتى أن أحد الذين بدأ السباحة مبكرآ في نهر العسل الذي يتدفق الآن قد أعلن: وصلت يا جماعة وصلت، صحيح متأخرة ولكن أفضل من أن لا تصل أبدآ، ويبدو أنه ونتيجة خروج جماعة اللجنة من مكاتبهم المكيفة الوثيرة الى اجوائنا الملتهبة العارية، يبدوا أنهم لم يجدوا أنفسهم إلا وقد إحترقت فيوزاتهم وبدلآ من خوضهم في أس المشكلة ألا وهو القوانين والقرارات والتعاميم والإجرارءات والممارسات العنصرية والنهبوية والتي أشهرها وليس آخرها المرسوم العنصري رقم 49/2008 والتي كانت السبب في كل مشاكلنا، راحوا هم وما بعدهم ونتيجة إحتراق فيوزات الجميع يحاولون عبثآ أن يخفوا هذه الأسباب الواضحة وضوح الشمس تحت رداء فزاعـة الجفاف وتوجيه سهامهم بعيدآ عنها مما جعل المعالجة تنصب على القشور وهي معالجة تجعل بدورها كل شخص عديم الفيـوز يستعمل كل إمكانياته في جعل فـاه فاغرآ كل مساء قبل الدخول في أحلام سعيدة بإنتظار إنهمار الخيرات غير مدرك نتيجة الظلام الذي يعيشه إنها لو أمطرت لكانت غيمت أولآ، أما أن تنقلب الآية فهو الجنون بعينه، ومع أن المسألة كما أسلفت واضحة لكن جماعة اللجنة و ما بعد بعدها قرروا أن يحمل كل منهم السراج أبو فتيلة يبحثون به عن المواطن الكوردي النازح أو اللاجئ في ضواحي المدن ليسألوه عن أسباب طفشانه وأن: عُـد يا حبيب العمـر (هذا هو عنوان فيلمهم الجديد) فلقد قررنا أن ندفع لك زكاة ما سرقناه منك برغلآ وعدسآ و رزآ، إن هذا وأيـمُ الحق (لاحظوا القسم) سيؤدي الى حرق الفيوزات المتبقية عند بعضنا.


وهنا أكتفي في هذا الموضوع وأنتقل الى فيوزاتنا محلية الصنع، ولكي لا أثقل عليكم سأتناولها بشكلٍ ثانوي وأكتفي ببعض الأمثلة، مع الإشارة فقط الى أنه وعلى العكس مما ذهب إليه نزار قباني في إنكاره للمنطقة الوسطى، فإنني أظن أن إحتراق الفيوز هو مرحلة وسطى ما بين الإكتئاب والجنون، وربما بين التفاؤل والجنون.
ولعل من الأمثلة على إحتراق فيوزات البعض هو القول أن الأرض ليست من المجموعة الشمسية ولكنها تدور في فلكها، أو المسؤول الحزبي الفلاني ليس عميلآ للمخابرات ولكنه يتعامل معهم، أو الأحزاب الكوردية ليست خائنة أو عميلة ولكنها تدور في فـلك المخابرات أو في اللغة العامية فلانآ قصده شريف ولكن نيته عاطلة، هذا وقد شهدنا مؤخرآ هبة ثورية منفلتة ذات توتر عالي لا يتحكم بها فيوز ولا يصمد مهما كانت قوته وذلك من خلال التهجم على أحدى الشخصيات الوطنية ولكنها عادت وإنطفئت مثل أصحابها.


ولعل أخطر ما نشهده اليوم هو تحول البعض نتيجة هذا الإحتراق الى مجرد سلك كهربائي أو ما يشبه محطة (إم بي سي) الكورد تعبر من خلاله أو تنهمر عبرها المقالات التركية المدبلجة على مواقعنا الكوردية فيما يشبه غـزوآ ثقافيـآ، فلقد أصبح ونتيجة جهود هؤلاء في الدبلجة أشخاص مثل كمال أتاتورك وأحمد آلتان وعبدالله غول وغيرهم نجومنا الجدد مثلهم مثل مهند و نور ويحيى ولميس، وكأنه لم يكن بيننا في يومٍ ما خلاف أو خصام على كوردستان أو غيرها.

 
أخطر شئ أن تكون فيوزات أحدهم محترقة ولكنه لا يعلم بذلك بل يعتقد أن فيوزات الآخرين محترقة فيحاول أن يستغفل الآخرين ويتذاكى عليهم.
إنتبهـوا لفيوزاتكم رجاءً، لا فجعكم الله بفيـوز.
06.06.09

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مسلم شيخ حسن – كوباني شكل انعقاد الكونفرانس الكردي في السادس والعشرين من نيسان 2025 في مدينة القامشلي محطة سياسية بارزة، انعقدت عليها آمال واسعة لدى الشارع الكردي في سوريا، مدعومة بغطاء كردستاني لافت عكس إدراكاً جماعياً لأهمية اللحظة. وقد أفرز هذا الحدث جملة من المخرجات السياسية، على الصعيدين الوطني والكردي، بدت في ظاهرها متقدمة ومنسجمة مع تطلعات السوريين عموماً…

عبد اللطيف محمد امين موسى تتمثل الحاجة الى ضرورة البحث عن الاولوية في الانطلاق الى صياغة خارطة تعتمد على الحاجة الى اعادة هيكلية اولويات العمل السياسي الكوردي في سوريا، ولابد ان تكون عملية تأهيل وبناء الفرد الاستراتيجية الاساسية فيها، لما يشكل الفرد العامل الاساسي والقوة الحقيقية والشرعية في اي محطة لممارسة النضال السياسي ضمن الاطر العامة للتنظيمات والاحزاب السياسية. تكمن…

احمد مرعان مقولة الممثل السوري نهاد قلعي رحمه الله ( نهاد قلعي ) في مسلسل صح النوم ” كي نعلم ما في إيطاليا يجب أن نعلم ما في البرازيل ” تجسد الواقع العالمي الجديد وفق معطيات تكرس الحقيقة بوجهها الصحيح ، لما آلت إليه العلاقات الدولية بتفسير الحقائق طبقا للمصالح .. تشهد سوريا منذ أكثر من عقد ونصف تحولات عميقة…

د. محمود عباس من فمٍ إلى آخر، قد تتحول اللغة الكوردية من موسيقى عذبة تطرب لها الأذن، إلى صوتٍ نشاز تتأفف منه النفس. ولا يعود ذلك إلى اللغة ذاتها، فهي لغة رشيقة، دافئة، ومشحونة بذاكرة شعبٍ طويل العناء، بل إلى الطريقة التي تُنطق بها، وإلى مقدار ما بقي فيها من نقائها، أو ما علق بها من لغات الدول التي احتلت…