العراق وتعدد الخيارات السياسية

پير روسته م
Pir1963@gmail.com

أحدث التصريح الأخير للسيد نوري المالكي؛ رئيس الحكومة العراقية الحالية نوع من الصدمة المفاجئة لدى العديد من الكتل السياسية وتحديداً المكونين الكوردي والعربي السني وذلك عندما طالب بإنهاء “الديمقراطية التوافقية” في الحالة العراقية والعودة إلى “الدستور والقانون”.

فما كان من فخامة رئيس الجمهورية؛ مام جلال طالباني إلا أن يدلي هو الآخر بتصريح يبين فيه بعض النقاط الملتبسة وينافي ما ذهب إليه رئيس الحكومة، حيث قال: (إن الديموقراطية التوافقية ما تزال “مطلوبة”..

وأضاف طالباني أثناء لقائه وفداً من محافظة ديالى في مقر إقامته في السليمانية (330 كلم شمال بغداد) أن “ترسيخ التوافق الوطني وسيلة ناجعة لتوحيد صفوف الأطياف المتنوعة في البلاد، فالعراق لا يحكم بالغالبية فالوضع ما يزال يتطلب التوافق”.

وأشاد بلجوء أعضاء مجلس محافظة ديالى الى التوافق وإشراك غالبية الكتل في إدارة شؤون المحافظة، مشدداً على أهمية إنتهاج سياسة “باقة الورد العراقية” في اشارة الى تنوع الاطياف) (نقلاً عن قنديل؛ جريدة الكترونية).
وكان المالكي – حسب المصدر السابق – قد (شن السبت هجوماً عنيفاً على مبدأ الديموقراطية التوافقية والمحاصصة اللذين “يجلبان الفساد” وطالب ب”انهاء” هذه المعايير وضرورة العودة الى الدستور والقانون.

وقال أمام مشاركين في مؤتمر للعشائر “اضطررنا الى المحاصصة والديموقراطية التوافقية لأن النفوس كانت مثقلة بالخوف والتهميش..

لم يكن أمامنا خيار سوى التوافق والمبدأ السيء المحاصصة”.

وأضاف “كنا بحاجة لطمأنة الشركاء وحققنا ما أمكن تحقيقه في ظل ذلك، لكن الاستمرار هو الضد لعملية الاستقرار السياسي (…) لا بد من التنافس والعودة الى الدستور والقانون وفي المرحلة القادمة سننتهي من التوافقية والمحاصصة..

لا بد ان تنتهي هذه المعايير”).

إلى هنا وتنتهي المادة الخبرية وبالعودة إليه وقراءته قراءة متأنية سوف نلاحظ بأن دعوة رئيس الحكومة هو استحقاق دستوري وقانوني وذلك بموجب صناديق الإقتراع وما أفرزتها من أصوات نيابية بحيث يمنح الصلاحيات – وهنا حزب الدعوة وإئتلافه – لأن يشكل الحكومة كونه؛ فاز بأغلبية المقاعد النيابية.

إننا نجدد تأكيدنا بأن الدعوة السابقة للسيد نوري المالكي؛ رئيس الحكومة العراقية هي (دعوة حقٍ دستوري) وكذلك هو مطلب قانوني وذلك بموجب القانون الدولي وتبعاته وما نراه في تجارب (كل) البلدان التي تجعل من نتائج الإنتخابات أساس الحكم والسيادة.

ولكن علينا أن لا ننسى بأن (العرف) السابق صحيحٌ – فقط – في الديمقراطيات العريقة وليس بـ (ديمقراطية) العراق وكذلك في مجمل بلداننا الشرق أوسطية والتي عاشت – وما زالت – تعيش حالات الإنقسام والإستبداد والفكر الشمولي والتوجس من الآخر؛ أي أن الديمقراطية (الفتية) والتي نراها في العراق الحالي ما زالت غير قادرة على الوقوف أمام أعاصير الفكر الشمولي الديكتاتوري وبالتالي فمن حق كل المكونات الأخرى – وتحديداً الأقليات – أن تتوجس خوفاً من العودة إلى النظم الشمولية المستبدة وذلك بهيمنة أحد المكونات السياسية (الطائفية في الحالة العراقية) على مقاليد السلطة منفردة ومبعدة كل المكونات الأخرى وذلك لأسبابٍ عدة:
أولاً – تجذر الفكر الشمولي والإستبداد في منطقتنا وعلى إمتداد أحقاب زمنية عدة؛ مما خلق نوع من الذهنية الصنمية المتكلسة في الوعي الشرقي عموماً والذي يرفض التشاركية والإعتراف بالآخر المغاير، بل ويمارس بحقه كل أشكال الاستبداد والعنف والقتل والإبادة..

ناهيك عن الإعتراف به وبحقوقه، وإن التاريخ الشرقي حافلٌ بجرائم إنسانية بحق المكونات المستضعفة.
ثانياً – الحالة العراقية ونتيجةً لتعدد المكونات العرقية والدينية (المذهبية والطائفية) ولوجود أكثر من إقليم جغرافي (عربي وإقليم كوردستان) وبناء الدولة العراقية الحديثة على أساس دستور فيدرالي يمنح الأقاليم صلاحيات واسعة تصل إلى حدود الكونفيدرالية، توجب بالضرورة مشاركة الأقاليم (إقليم كوردستان) في المشاركة الحثيثة في مجمل السياسية العراقية وبالتالي في المركز الفيدرالي (بغداد).
ثالثاً – التجربة التاريخية في العراق مريرة وكارثية في هذا الجانب وخاصةً بالنسبة للكورد؛ حيث أن كل الحكومات السابقة وبعد معارك ضارية والوصول إلى إتفاقات الهدنة والوعود بإحقاق الحقوق المشروعة للشعب الكوردي، تنصلت من إتفاقاتها مع الكورد وذلك بعد أن (قويت شوكتها) وتجبرت، مما خلق لدى شعبنا وعياً سياسياً قائماً – للأسف – على الشك والريب في الحكومات القادمة والتي لا توافق على مشاركة الجميع في رسم سياسة البلد.
رابعاً – تخوف وتوجس الكتل السياسية الأخرى من هيمنة (حزب الدعوة مع إئتلافها) – والذي ينتمي إليه رئيس الوزراء و(صاحب المشروع) السياسي القادم للعراق – على السلطة وذلك من خلال مقولة: إنهاء “الديمقراطية التوافقية” والعودة إلى الدستور والقانون، مع العلم أن الدستور العراقي يدعو إلى المشاركة وليس التفرد، وحيث من المعلوم خلفية التيارات الدينية (الإسلام السياسي) والذهنية القائمة عليه من فكر شمولي أحادي الرؤية والممارسة السياسية وبالتالي التخوف من عودة الديكتاتورية ولكن هذه المرة من خلال واجهة دينية.

أما آخر الكلام – والتي تمتحن مصداقية السيد نوري المالكي في طرحه لمشروعه السياسي القادم لعراق “القانون والدستور” ونتائج الإنتخابات عوضاً عن “الديمقراطية التوافقية” – فهي الحالة الميدانية والسياسية في مدينة كركوك؛ فلما يطالبون “بأن تكون كركوك نموذج مصغر عن الحالة العراقية” بمعنى مشاركة جميع الأطياف والأعراق وعلى مبدأ “المساواة” وليس فقط المشاركة (أي لكل مكون من المكونات الثلاث: الكورد والعرب والتركمان بنسبة 32 بالمائة من الأصوات في مجلسها) وبالتالي “الديمقراطية التوافقية” وليس أصوات الناخبين وصناديق الإقتراع تحكم لمن تكون (الغلبة) في المدينة لتنضم إلى إقليم كوردستان أو المركز الفيدرالي في (بغداد)..

وهكذا فإن آخر كلمة نقولها لأصحاب هذه (المتاريس السياسية): أليس هذا هو “الكيل بمكيالين” والإزدواجية السياسية بعينه، بل إنها “المكيافلية” ذاتها يا سيادة رئيس الوزراء.

هولير – 27/5/2009

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…