إلى متى النفخ في القربة الخرقة باتجاه المحورية والتمزيق

عبد الرحمن آلوجي

 

في الوقت الذي تشتد الحاجة فيه إلى وحدة الكلمة والموقف في الحركة الكوردية في سوريا , وفي الوقت ذاته تقوى كل عوامل الالتقاء , لتوحيد الأطراف المتقاربة , وخاصة تلك التي خرجت من عباءة البارتي , وتشربت بثوابته , وبذلت جهودا كبيرة للحفاظ على مقوماته ومنطلقاته , وفي الوقت الذي تشتد الحاجة إلى فهم ضرورات المرحلة , واستيعاب خصوصياتها , وما يرتبه ذلك من تطور نوعي في العملية السياسية , والفرز السياسي والنخبوي , والاستناد في كل ذلك إلى الوعي الجماهيري المتنامي …

في هذا الوقت بالذات تبرز على الساحة أصوات تنفخ في قرب ٍ مخروقة , وأبواق ٍ في بلاقع َ جرد لا تكاد تسمع إلا دعاء أو نداءً , كالذي ينعق بما لا يسمع , حيث لا من مجيب إلا صدى يخترق القيعان , ويرتد إلى قنن الجبال , ثم ينداح كصفحة الماء تلقي فيه بالحجر , تشكل دوائر وفقاعات سرعان ما تتلاشى …
في هذا الوقت بالذات نرى لزاما أن نخرج من الصمت لنعلن لأحرار المبدعين والمفكرين , أن مسيرة البناء الحضاري والفكري , لا يمكنها أن تتجلى إلا في مزيد من المراجعة والانعطاف وتدقيق المسار , ومنهجة العمل السياسي , وتأطيره باتجاه خدمة الأهداف الكبرى , والاستراتيجية القومية الجامعة والتي تحقق مبادئ الأمة ومصالحها , وتتماهى مع خلفية هذه الأطر لترسم الدبلوماسية المترجمة لهذه المبادئ وتلك المصالح الحيوية التي ترقى إليها , وتحتدم معها , لتشكل المنظومة الفكرية المتماسكة , برمجة عمل , وآلية ضبط محكمة , تقود إلى عمل من شأنه إحداث حالة من التوافق بين الأفق العالمي للفكر الإنساني وتراثه وحضارته , ومستلزماتهما من ضرورة إتاحة المناخ الأمني الملائم باتجاه الاستقرار ونبذ العنف ومحاربة الإرهاب والتشدد ووسائلهما وإنعاش الفكر الديمقراطي وتمكين الإنسان من حقوقه العادلة , ليشكل ذلك مدخلا إلى قيادة هذا العمل وتوافقه مع آفاق الحركة الكوردستانية والكوردية , وتلاحمهما وتداخلهما مع ذلك الأفق العالمي , وبما يحقق استراتيجية عمل مشترك , يهدف إلى بناء الشخصية الإنسانية على أسس من الخير والعدل والعلم ومنجزاته , والتقنية والتكنولوجيا العلمية وآفاقهما , والإبداعات وصورها , بما يستوجب لغة عمل مشتركة , وآلية برمجة منظمة تعطي للحركة الكوردية في سوريا بعدها الحقيقي , وقدرتها على التواصل مع المحيط الإقليمي والعالمي ومفرزاتهما وهو ما لا يتحقق إلا بنبذ السياسة المحورية , في دعوة معلنة وصريحة إلى تمزيق صف الجبهة والتحالف من جهة , والأطراف الخارجة من هذين الإطارين من جهة أخرى , مما ينذر بسياسة محورية ضارة وغير صائبة تضيف إلى التمزق الداخلي وأدوائه ومنعكساته , مخاطر أخرى تضعف الجهود الرامية إلى رأب الصدع , وإعادة اللحمة إلى ما تفتت وانقسم , في ظل ذرائع واهية وشعارات مشعة , وأخرى تعتمد التهويل والمبالغة والتضليل , في نوبة غير صحية , تلتقي بالضبط مع تلك الأصوات التي مزقت الداخل الحزبي , ولم تستطع أن ترتقي إلى أبسط المبادئ الحزبية والشرعية لتجعل من نفسها منابر وعظ وتحديث , دون أن نحدد هيئة أو اسماً , علما أن هؤلاء مشخصون ويعرفون أنفسهم والمطبات التي غرقوا فيها حتى أعناقهم , بانتظار أن يدركوا ما يفعلون , فيؤوبوا إلى رشدهم , وترتد إليهم ضمائرهم بعد أن شوشوا وشوهوا , ونالوا من أقدس رموز وتاريخ الحركة وأكثر ثوابتها شرعية وعدلا .

ليجعل هؤلاء وأولئك من الدعوة إلى الحق وتصويب البوصلة المضروبة في أعماقها نقطة مسار , ومنعطف لقاء , يبين معالم الطريق ومفارقها , والمستقيم والمعوجّ منها .
إن الدعوة إلى وحدة الحركة , والانطلاق إلى وحدة الأطراف المتقاربة , ونبذ سياسة الاحتراب السياسي إن صح التعبير , والاستعلاء على الهاجس الذاتي , ونبذ المتراكم من السياسات الخاطئة والمشوهة ومراجعة الأعماق , وكشف عوامل الكراهية , والمرض الذاتي المتضخم , والأنانية والأثرة الغارقة في الإثم والخطيئة , ونبذ ما هو سطحي عابر مروجا للأعماق المظلمة , والتي تعيش فراغا قاتلا , وقاعا مكفهرا ومرعبا , إن هذه الدعوة لا يمكن أن تساندها وتؤازرها الدعوات المحورية المضللة , والهادفة إلى ترويج الانكفاء الذاتي , وزيادة الطين بلة , وتمزيق ما هو ممزق أصلا , وتجزئة ما هو أكثر تجزئة , في لقاء واضح مع ما مزق داخليا , في إطار كل تنظيم بالعودة إلى الأسباب الحقيقية لذلك , في خواء ٍ فكري وبراقع َ تستر العيب الذاتي , والعورات المتورمة , وإن استندت في الظاهر إلى مقولات مهشمة , وإن بدا بريقها لامعا يكاد يبهر الأبصار , في حين تتعشش العشائرية والعائلية والذاتية الفردية , والمنطق التآمري في أذهان كثيرة , لم تستطع أن تتخلص منها إلا بمزيد من الترجمة العملية , والسلوكية البراكماتية , ليأتي الترجمان الميكافيلي دافعا سلوكيا واضحا , يحكم حقيقتهم الدامغة برمتها , ووفق خط بياني متصاعد , لا يزال يهشم ويشوه ويهمش , ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .
إن العمل السياسي فكرٌ نير , وآلية ضابطة واعية , ووازع أخلاقي عال ٍ ورفيع , ومسؤولية وطنية وقومية تعتمد استراتيجية ومنهجا , وسلوكا ممارسا يعتمد خطا مكتنزا من التجارب , ليكون كل ذلك عملا يقود إلى نتاج جماعي مثمر , يؤمن بالآخرين , تكاملا وتوفقا , وعملا ديمقراطيا تداوليا , وهو ما لا يعصم الحركة من أمراضها وارتداداتها وأخطائها ونكساتها , وانحرافها في كثير من الأحيان عن الخط الديمقراطي والمنهجي الواضح , ولا يكاد يعفيها من كثير من التجزؤ والتخبط والتمزق , ولكنها بحاجة إلى معالجة جادة وممنهجة لجملة التراكمات والأخطاء بعيدا عن الدعوة إلى سياسة المحاور , وركوب متن المغامرات الفردية , واللهاث الهستيري , في رحلة البحث عن الذات المتضخمة , واﻠ ( أنا ) الغارقة في سعارها الغرائزي , ولو بسبيل الارتقاء على جماجم الآخرين , دون أن نحدد ذاتا بعينها إلا إذا أرادت أن تكشف عن أنيابها ونواجذها المدماة , حينها لا بد ّ من تحديد وتشخيص الوباء , وتمزيق البراقع , وكشف الأقنعة عن وجوه كالحة , تتبرقع وتتلون , وتتلوى في كيدها الذاتي الدفين , وويل لمثل هؤلاء إذا أرادوا أن يلوثوا الأصالة , ويستعلوا على أعماقهم النائحة في بؤسها , والغارقة في همها الذاتي الملطخ .
إن وحدة الحركة , وانطلاقا من وحدة متقارباتها , هدف كبير , ومطمح استرتيجي ووسيلة بناء وإغناء , يواجه بالضرورة كل من يدعو إلى الحرف والتضليل , والتطبيل والتهويل , وهو ما ينبغي أن يطرح بقوة ووضوح لأنه يمس جوهر المسألة الكوردية ,  وعدالة قضية شعب ٍ آمن بالعدل والاستقرار فكان مناخ إبداع ومبعث تأمل , وسرا من أسرار البقاء والامتداد ليكون جمع الكلمة الشاملة والحالة التنظيمية الموحدة مدخلا إلى عملية سياسية واعية ومدركة , تهمش كل ما هو معيق ومعرقل ومصحح لمسار الحركة وتصويب آفاقها , ورسم مسارها الصحيح .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…