توجهات جديدة في السياسة العالمية

توفيق عبد المجيد

كل من يهتم بالسياسة ويتابعها سيلاحظ بوضوح ما طرأ في الآونة الأخيرة على السياسة الدولية من تغيرات ومستجدات تطرح نفسها على المشهد السياسي العالمي بقوة ، مستحوذة الاهتمام ولافتة إليها الأنظار ، تاركة الباب مفتوحاً لشتى التأويلات والتوقعات والتفسيرات ، ربما يصيب بعضها ، ولا يتوفق البعض الآخر في الاهتداء إلى المقصد الحقيقي لها ، لتكون المحور الذي يشد إليه معظم من يهتم بهذا الشأن.

تباعاً وبتسارع تلاحقت المستجدات التي تنبئ بأن هناك تغيراً ما في الرؤى ، وتخلياً عن بعض المفاهيم والمصطلحات ، وتبديلاً لبعض السياسات التي أثبتت فشلها وعدم مقبوليتها لدى الكثيرين شعوباً وأفراداً وجماعات ، أو تحقيق بعض الأهداف والتطلعات والاستراتيجيات التي عجزت تلك الأساليب اللامقبولة ، والتي اتبعت في مرحلة ما لتحقيق تلك الأهداف ، بأسلوب يود أصحابه تغييره جذرياً ، أو تلوينه بلون مغاير ليلقى القبول والارتياح لدى الآخرين.
فأمريكا هي التي رفعت شعار الحرب على الإرهاب وزحفت بجيوشها لتطبقه على أرض الواقع مستغلة أحداث الحادي عشر من ايلول 2001 ووصلت بذلك إلى أفغانستان لتنهي حقبة من حكم الطالبان المتخلف والظلامي ، والذي مازالت تعالج آثاره وتداعياته على المنطقة والعالم والمحيط الإقليمي ، ولم تحسم المعركة بعد ، ويبدو أن القائمين على رسم السياسة الأمريكية في العالم قد تنبهوا أخيراً إلى صعوبة تحقيق هذا الطرح ، فبادروا إلى التخلي عنه أو تبديله بعد تسلم أوباما للرئاسة ، ونيته في إحداث متغيرات ما في السياسة العالمية ، فكان الإعلان عن التخلي عن مصطلح الحرب على الإرهاب ، والتفكير ببدائل أخرى ، ومفاهيم قد تلاقي بعض القبول لدى الأوساط العالمية ، ولدى الشعوب والحكومات التي ربما ستراهن على السياسة الأمريكية الجديدة ، كما أن الإدارة الأمريكية قد عززت هذا المفهوم – مفهوم مصطلح الحرب على الإرهاب والتخلي عنه أو تبديله – عززته برغبتها التي أعلنت عنها على لسان وزيرة خارجيتها الجديدة ، وهي الانضمام إلى مجلس حقوق الإنسان .
ويلاحظ بوضوح أن أمريكا أعلنت جهاراً ومراراً رغبتها في الجنوح إلى معالجة الملف النووي الإيراني بطرق أخرى تكون الديبلوماسية الهادئة والتحاور الجدي في مقدمتها ، ومعالجة الوضع في أفغانستان بالحوار مع المعتدلين في حركة طالبان وجذبهم إلى طاولة التفاوض لوضع حد لهذه القضية المزمنة التي أرهقتها وأنهكتها اقتصادياً على الأقل .
في الجانب الآخر وما يتعلق منه بحزب الله ذي التوجهات الواضحة التي تعاكس المسار الأمريكي ولا تصب في قناته ، والمصنف أمريكياً وغربياً في خانة الإرهابيين ، والواضح كل الوضوح في التصدي لأمريكا وسياساتها وتعجيز إسرائيل حليفتها التاريخية ، كان السيد حسن الحاج حسين أحد قياديي حزب الله ضيفاً على البرلمان البريطاني .
مستجدات كثيرة ، ومفاجآت أكثر ستكشف عنها الأيام القادمة الحبلى بها ، وربما يكون إطفاء البؤر الساخنة ، وتهدئة الأوضاع العالمية المتوترة والقابلة للتفجر ، وحل القضايا والمشاكل العالقة والمستعصية بطريقة أخرى قد تكون القضية الكردية في تركيا إحداها بعد الإنجاز الذي حققه الكرد في الانتخابات البلدية الأخيرة في تركيا ، والنجاح النسبي الذي انتزعه حزب المجتمع الديمقراطي ، والذي استطاع تغيير قواعد اللعبة السياسية بالنضال السلمي الديمقراطي معتمداً على صناديق الاقتراع والتواجد الكردي الضخم في كردستان تركيا ،  وزيارة أوباما المرتقبة لتركيا ، ورغبته في حل القضية الكردية فيها ترجمة للتصريحات التي أدلى بها إبان حملته الانتخابية ، ودون أن نتجاهل كيفية لجم الجموح الكوري الشمالي النووي ، والتعامل مع المتغيرات الجديدة في إسرائيل بعد تسلم نتنياهو لرئاسة حكومتها .
3/4/2009

   

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…