المجلس السياسي. وسؤال ما الحل ؟

  طريق الشعب *

عقدان ، أو ما يقاربهما من الزمن ، من عمر الحركة الوطنية الكردية في سوريا يمضيان ، ونزعتان متباينتان تستقطبان مزاجها العام ، فيما يخص شأن الحراك السياسي الجمعي المشترك بين مؤسساته الحزبية القائمة .

نزعة أو رؤية تميل للمطالبة والدعوة إلى توحيد الخطاب السياسي للحركة السياسية الكردية في سوريا .

وتذهب إلى التراص والدفاع عن شكل من التوحيد التنظيمي بين أطراف الحركة السياسية الكردية بالمجمل ، مقابل ذلك الميل ، ثمة نظرة قريبة من التعفف عن هذه الدعوات التوحيدية ، حيث ترى أنه لا أمل من أي عمل جمعي بين أطراف الحركة السياسية الكردية في سوريا .

وأن العمل المنفرد بكل عيوبه أكثر حيوية ، لأنه قبل كل شيء ينقذ من الصراع البيني ، بين أقطاب العمل الجماعي .
ما يسجل على النظرة الأولى – التوحيدية – هو رومانسيتها ، وعدم مراعاتها لطبيعة العمل الذاتي للقيادات السياسية للتنظيمات الكردية ، وللانغلاق التنظيمي لعدد من نخب التنظيمات ، التي تعتريها الرغبة في الحفاظ على نوع من الاستقلالية التنظيمية من أي تداخل مع أي طرف آخر ، هذه من جهة ومن جهة أخرى يسجل عليها أنها كانت دعوات لذاتها فقط ، وليس لها أن تخرج مطالباتها من حيز الخطاب ، فالخطاب – التوحيدي – كان دوماً ملامساً للمزاج الجماهيري لأبناء شعبنا ، طبعاً الانطباع الثاني عن أصحاب النظرة الأولى ، يحق بنعت بعض مطالبيها وليس كلهم .
بالمقابل يسجل على النظرة الثانية – المتعففة عن الدعوات التوحيدية – وقوعها في شرك الشرذمة التنظيمية والخطابية والفكرية للتنظيمات الكردية في سورية ، وهذا محض هراء .

إذاً  ما الحل حينما يكون النقيضان غير صالحين ؟
ثمة سؤال تاريخي طرح على التدافع التراكمي للأفكار الديمقراطية في تاريخ أوربا الحديث ، سؤال كيف يمكن التوفيق بين الفردية الإنسانية الطبيعية والتي تميل نحو الحفاظ على خصوصيتها في كل المناحي الحياتية ، وبين الصالح العام الذي يخص العموم ، وينتقص نوعا ما من فردانية تلك الذوات من طرف آخر .

كان السؤال ذاك منبع الصراع بين الميل الليبرالي – المدافع عن الفردانية – والميل الدستوري – المدافع عن الصالح العام – وكانت الديمقراطية البرلمانية حالة سياسية توافقية بين الحالتين السابقتين .
على تخوم ذلك السؤال ، كيف الطريق للجمع  بين المنعكسات الفردية الذاتية والحزبية المنغلقة ، وللأسف المعبّرة عن روح من العشائرية والمناطقية والعائلاوية التي لا تفارق الطبقة المخفية من دماغ الناشطين السياسيين الكرد ؟ كيف لنا التوفيق بين ذلك ، وبين نوع تقارب المنهج وآليات النشاط السياسي لعموم الحركة السياسية الكردية في سوريا ، وذلك رغبة في واقعية سياسية واجبة .

لا ترى في فرط الدعوات التوحيدية أية واقعية ، ولا في فرط التشتت أي إنتاج ممكن .

لكن هذا فيما يخص تخوم السؤال التاريخي للديمقراطية ، فماذا عن تخوم الجواب ؟ أي ماذا عن الإجابة المحلية على ذلك التوافق ؟
سيحقق المجلس السياسي للأحزاب الكردية السورية – حسب رأينا – ذلك التوافق الجوهري لأنه يحترم استقلالية كل تنظيم من طرف ، ولا يكرس روح التقارب من طرف آخر .

لكن ذلك يبقى ناقصاًَ دون وضع برنامج واضح المعالم للمجلس ، يراعي الشروط الطبيعية للصراع السياسي للأفكار والرؤى السياسية المتباينة .

مما يؤكد بأن المجلس الوطني هو أفضل طموح قومي يمكن تحقيقه في المرحلة الراهنة  ، كونه أقرب إلى التحقيق من الصيغ الأخرى التي طرحت خلال السنوات القليلة الماضية ، وأخذت الكثير من الجهد والوقت ، ولكن دون جدوى .

وإن ما يدعو إلى التفاؤل هو إن سكرتير اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ( البارتي ) الشقيق الدكتور عبد الحكيم بشار قد دعا الى تحقيق هذه الخطوة النوعية في كلمته في أربعينية المناضل الراحل – محمد نذير مصطفى –  سكرتير البارتي السابق، في وقت تبدو فيه تجاوب غالبية الفصائل الكردية مع هذه المبادرة القومية الوطنية جلياً عبر الحوارات التي استطلعت فيها آراء الأكثرية الساحقة من الأحزاب الكردية .

مما يستدعي البدء بالحوار العملي الشجاع عبر الدعوة لعقد اجتماع لمجموع الفصائل الكردية .

ولا نعتقد أن يكون هناك رفض من جانب أحد ، لأن المسالة تتعلق بتوحيد الخطاب الكردي وتأطير طاقات الشعب الكردي في سوريا في إطار موحد يضع حداً لحالة التشتت والانقسام .

ونحن على ثقة بأن هذه الصيغة سوف لن تكون على حساب المشاريع الاتحادية الأخرى التي صعدت إلى مواقع متقدمة في الحوار بل أن المجلس الوطني سيكون عاملاً مساعداً لتحقيق هذه المشاريع بعزيمة أقوى وإرادة أكثر جدية ومصداقية .
أخيراً نقول أن ثمة نوعاً من البؤس لأوضاعنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بؤس يؤسس حالة من فقداننا لأي معنى لدورنا في الحفاظ على مصالح شعبنا وتطلعاته المشروعة  بحده الأدنى يتطلب عملاً ولو بأضعف الإيمان.

 * الجريدة المركزية للحزب اليساري الكردي في سوريا – العدد (327) شباط 2009

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…