رسالة من صحفي كردي إلى السيدة الدكتورة نجاح العطار الموقرة.

سيامند إبراهيم*
في مطلع (تموز) من هذا الشهر، قال أحد المعنيين بالثقافة الكردية الذين ذهبوا لمقابلة نائبة الرئيس السوري للشؤون السورية الدكتورة نجاح العطار في القصر
الجمهوري,  ومن جملة ما صرح لنا به: « كانت الحوارات مهمة وفيها الكثير من الجدية, وطرحنا جملة من المعطيات الثقافية وكانت ثمة استفسارات معمقة من الجانب الآخر وهذا ما لمسناه في دمشق, ولن تنقطع هذه الحوارات مع المسؤولين في دمشق, هذا شيء جميل جداً من قبل السلطات المعنية في دمشق, الذين خرجوا من دائرة اللقاءات الأمنية إلى رحاب القصر الجمهوري, ومهما يكن الدور المنوط بالسيدة نجاح العطار, ومهما تكون الدوافع, وبهذه العجالة, والتوليفة التي حاورتها, فهل يمكننا أن نعتبر نظرياً الولوج في دائرة الاعتراف بالشعب الكردي وبثقافته في سورية, وقد يكون من المبكر القول إن هذه الحوارات السياسية التي جرت في شقيها السياسي, والثقافي, هو وما يعيشه النظام السوري من أزمة خارجية وداخلية, ويعاني من انعدام الديمقراطية وتراجع الهامش الذي عشناه في بعض جزيئات الحياة السورية, وقصف ربيع دمشق, والتضييق على الحريات, والاعتقالات التعسفية وشل الحراك الثقافي العربي والكردي في الوطن
نأمل أن يكون هذا الحوار حلقة من حلقات حوارات شاملة نحو الاعتراف بالحقوق الكردية شاملا للمتغيرات الدولية وما تشهده المنطقة من تغييرات بشتى أشكالها, الشاملة لكل حراك ولو أعتبره البعض ذر الرماد في العيون, وهم الذين أصروا على سياسة الاستقصاء.

و عدم الاعتراف الدستوري بحق القومية الكردية في سورية.

وهم جزء أساسي وفعال في النسيج السوري.
إن هذه الحوارات يجب أن تكون جدية وبعيدة عن سياسة التخدير الموضعي لاستحقاقات ستجري في الساحة السورية, من الناحية السياسية والثقافية, وكفى من سياسة عدم الاعتراف بالأخر وممارسة السلوك الشوفيني العنصري في سورية, والتي بدأت حلقات الاضطهاد القومي ابتداء من فترة الخمسينيات وبالتحديد عندما استلم الشيشكلي دفة الحكم وأغلق رويداً رويداً الأندية الكردية ومنع طباعة المجلات الكردية المرخصة في سنة (1924) أثناء الانتداب الفرنسي لسورية, في عهد الجنرال (فرساي), حيث حصل المرحوم جلادت بدرخان على ترخيص مجلة (هوار) والتي صدرت في سنة (1932)- ومجلة( روناهي ) في الأربعينيات, كما وحصل الأستاذ المرحوم (كاميران بدرخان) على ترخيص (ستير) و (كلاويز), واستمر مسلسل القمع القومي العروبي في العهد الناصري حيث قامت السلطات السورية بإغلاق ثلاثة أندية ثقافية كردية في دمشق وهي: (ديرسم) و (كردستان) والذي تحول إلى نادي (هنانو) إثر اشتداد الحملة السياسية على الأكراد في دمشق, مع العلم أن هذه الأندية كانت تمارس نشاطات ثقافية وهي تعليم اللغة الكردية وقواعد اللغة الكردية, وممارسة النشاطات الثقافية من أمسيات شعرية وندوات تثقيفية وممارسة الألعاب الرياضية من (كرة القدم, السلة, وألعاب القوى وغيرها, ومصادرة ملعب النادي الذي يمتد من مشفى ابن النفيس إلى أفران ابن العميد, وتحويله إلى مساكن ومحلات تجارية ومرافق أخرى.

وفي الجزيرة أغلقت النوادي الكردية في الحسكة وعامودا الذي أسسه المرحوم الشاعر جكرخوين والمدارس الكردية التي كانت تقوم بتدريس اللغة الكردية في عامودا وقراها, وفي القامشلي وقراها أيضاً, وهكذا أسدل الستار على جميع أشكال الحراك الثقافي والسياسي الكردي في سورية.

وفي الستينات وحتى مطلع السبعينات دخلت الثقافة الكردية مرحلة السكون الكلي نتيجة استمرار مسلسل القمع والإرهاب والسجون للحركة السياسية والثقافية الكردية على امتداد الوطن, ثم بدأت مرحلة ثالثة وهي مرحلة السبعينيات حيث شاهدنا وعشنا انفراجاً بسيطاً تحركنا من خلاله إلى طبع عشرات الكتب باللغة العربية والكردية فبعضها كان يتم طباعتها بشكل سري, والبعض الآخر يتم رفضه وملاحقتنا وإغلاق المطابع التي طبعنا فيها تلك الكتب وزجنا بالمعتقلات والسجون السورية لإصدارنا كتب وصحف ثقافية باللغة العربية والكردية, هذا وقد سُجنت عرفياً لمدة ثلاثة أشهر في دمشق قبل رحيل الرئيس حافظ الأسد, وتوجهنا إلى لبنان وطبعنا هناك مجلة (آسو) (ASO ) الثقافية الكردية المستقلة, ولوحقنا مرة ثانية إثر صدور قانون الطباعة السيء الصيت والذي أقره مجلس الشعب في غفلة من المثقفين وعطلة أعضاء المجلس.
إذاً مالعمل إزاء هذه الممارسات التي تجري في سورية؟ لابد من الاعتراف بأن هناك ثمة ثقافات مختلفة في سورية حيث تتعايش هذه الثقافات والشعوب جنباً إلى جنب بالروح الأخوية, الكورد, العرب, السريان, الآشوريين, التركمان, الشركس,  فلابد من الإقرار بأن هذه المكونات كلها لو حصلت على كامل مطالبيها واستحقاقاتها لكان بالفعل شكل نسيجاً جميلاً كاملاً دون تسلط فئة وقومية عنصرية على غيرها؟
إذا يجب علينا إدراك أن سياسة المماطلة وكسب الوقت لاستحقاقات رئاسية وبرلمانية لهي في المحصلة ستكون نكسة للكل وخاصة للسلطات المعنية في دمشق, حيث لا يمكن أن يكون وجه سورية مشرقاً, وتنتعش نسمات الحرية والديمقراطية على ترابه, وتعاد الروح المتألقة, إلا في رحاب ثقافة المحبة والاعتراف بالآخر, ونبذ الفكر والثقافة الأحادية الفاشلة في جميع مكوناتها, وكما قال الأديب اللبناني أمين الريحاني:” إن الثقافة لا ترتقي إلا بممارسة الانسان حقوقه الطبيعية, وإن الأمم
لا تتقدم إلا بتقدم أفرادها, وإن الحكومات الحرة لاتقوم إلا بشرائع عادلة تسنها المجالس النيابية”.

• رئيس تحرير مجلة آسو الثقافية الكردية في سورية.
• عضو نقابة الصحافيين في اقليم كردستان العراق.
mazidax@hotmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جان دوست ما يمكن أن يعتبرها البعض صحوة وعودة وعي ومراجعة بعد هزائم قسد وانهيار نظام الإدارة الذاتية في سوريا، لم تصل ارتداداتها بعد إلى بيئة حزب العمال الكردستاني في سوريا. ما زال هؤلاء مؤمنين ب-“فلسفة” أوجلان ومعتقدين أن “تكتيكات” حزب العمال ناجحة في كل زمان ومكان. صعب على هؤلاء تصديق أن “فكر القائد” يعيش مراحله الأخيرة وأن الوظيفة انتهت…

خالد جميل محمد لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم…

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…