باراك أوباما بين التحديات والتطلعات

عبد الرحمن آلوجي

لاشك أن بروز شخصية ك”باراك حسين اوباما” له دلالات واضحة ورسائل قوية للمجتمع الدولي, كما أن لقوة شخصيته ومواهبه في بلاغته وعمق خطابه السياسي, وقدرته على الإقناع, دورا في هذا البروز, وذلك الحضور المتألق , بغض النظر عن انتمائه إلى الحزب الديمقراطي, وأجندته السياسية والاقتصادية والخدمية وتاريخه المديد, وسيطرته على مركز القرار في الكونغريس , ودوره في بناء الحياة السياسية والتشريعية في أمريكا , وما سبق ذلك وما نجم عن تعقيدات الحياة الدولية وصراعاتها في السنوات الثماني من عمر الإدارة الجمهورية في ظل إدارة الرئيس جورج بوش من التحديات الكبرى في العراق وأفغانستان وباكستان
وتنامي نفوذ القاعدة , ومخاطر مواجهة العنف والإرهاب, وأخطار التسلح النووي, وزيادة خطر الفقر والمجاعة والهجرات ونشوب الصراعات المسلحة والدموية والقتل الوحشي جراءها للأبرياء في لبنان وفلسطين, وما خلفته الحروب والمواجهات الضارية من دمار شامل.


كل ذلك جعل من دخوله البيت الأبيض حدثا نوعيا, ذا دلالة نستقرئ –من خلالها – إلى جانب خصوصية انتماء هذه الشخصية إلى العالم الثالث , وبشكل أخص إلى الشعب الكيني الإفريقي, وما يعني ذلك من دلالة تاريخية ومفهوم اجتماعي ورؤية محددة ,في ظل تاريخ طويل من الصراع العرقي والعنصري والرؤية الدونية تجاه الملونين في أمريكا والغرب, زمنا طويلا اتسم بكثير من مرارة الاستعلاء والقهر الدموي والإذلال, ليشكل هذا الفوز انتصارا حقيقيا لقيم المساواة والعدل والديمقراطية , وقهرا للنزعات والمفاهيم العنصرية ,لتضع الإدارة الجديدة – مع تنامي التحديات الموضوعية التي ذكرناها- على المحك , والتجربة العملية, في وقت يبرز فيه دور الإنسان الحر , وتتعالى الصيحات لإنصاف الشعوب المقهورة,وإعطائها قيمة وجودها وامتداد وترسخ هذا الوجود دستوريا ووفق الأعراف والمثل والقوانين الدولية, والإعلان العالمي لحقوق الإنسان , ونبذ الكراهية والعنصرية والمعايير والقيم المزدوجة والمختلة,مما لا يتناسب مع الرؤية الموضوعية المتوازنة والعادلة للمعادلات السياسية والحقوقية والتشريعية , وهو ما يضع الرئيس المنتخب وجها لوجه أمام هذا التحدي الأخطر والأهم في تاريخ الشعوب ونضالاتها وحقها المشروع في حياة آمنة ومستقرة وبعيدة عن التمييز والاضطهاد والقتل والتشريد والتهجير والإفقار, صيانة لحق حياتي وطبيعي ومشروع, تمثل للرئيس الجديد نقطة تحول في تاريخه وتاريخ شعبه وأصوله الإفريقية والمرارة التاريخية الطويلة التي عانتها جراء الرؤية العنصرية والتمييز وآثارها المدمرة , ليشكل هذا الامتحان مصداقية للثقة والنقلة التي منحهما المجتمع الأمريكي والناخبون الأحرار , في اجتيازه محطة النجاح الأولى في ذلك الفوز الجدير بالاعتبار والتأمل.

إن دخول الرئيس ” باراك أوباما” معترك السياسة العالمية في ظل تفاقم التحديات الدولية والإقليمية والأزمة المالية العالمية المتفاقمة, وضرورات المواجهة الداخلية , والضغط الذي يواجهه في العراق وأفغانستان وتعقيدات قضايا الشرق الأوسط العالقة, ومنها الصراع العربي الإسرائيلي, وقضايا ما بعد الدمار والقتل الذي لحق قطاع غزة , وتراكمات الوضع الفلسطيني ووضع فصائله, وانقسام الصف العربي, وبقاء القضية الكردية بآفاقها وأبعادها وتعقيداتها والتنكر لها دون حل منصف وواضح المعالم وما تحاول تركيا التظاهر به من رسالة السلام والدور الإقليمي , تمهيدا لدخولها الاتحاد الأوربي , وتجاهل قضية شعب بأكمله يعيش على أرضه التاريخية,كالشعب الكردي, و مثيرات الملف النووي الأيراني وخروجه من إطاره الرقابي الدولي الطبيعي, ووصوله إلى حالة المواجهة الخطرة , وتحديات الإرهاب والعنف المسلح وبؤره, إن كل هذه المسائل والقضايا الحيوية والملحة, تضع الرئس الجديد وإدارته أمام تحديات جسام , وتطلعات وآمال كبيرة , مع إدراكنا الكامل أن لكل قضية رجالها المناضلين في سبيلها والساعين إلى بلورتها والدفاع الذاتي و المستميت عنها, كما ندرك بوضوح تام أن الإدارة الأمريكية إدارة مؤسسات واستراتيجيات معدة, ولكننا نعلم أيضا أن للرئيس دوره ودرجة واضحة في الأداء تمكنه من لعب دور أساسي وفعلي في صناعة القرار وتخفيف آثار الكراهية والمقت والعنصرية وآثارها المدمرة, وحل القضايا العالقة والحائلة دون الاستقرار والازدهار والتطور العلمي والمدني ومواجهة الأخطار والكوارث والمحن التي تواجه البشرية, وتحول دون تحقيق قيم العدل والتكافؤ والمساواة, دون أن يعني ذلك طلب المستحيل , وتجاوز العقبات الكبرى , والوصول إلى الطموحات والتطلعات المرجوة بفعل خارق يتجاوز المألوف, ويخرق قوانين وقواعد اللعبة السياسية وتعقيداتها ومعضلاتها, إلا أن إرادة الحياة والمعاناة ومراراتها وآلام وأماني وطموحات الشعوب تجنح إلى نشدان أمل أكبر, وتطلع واستشراف لغد أفضل مع تنامي الصوت الحر في كل مكان, واندحار مأمول للمد العنصري, وأمل بتواصل الأمم والحضارات وتحاورها , وتغليب قواعد العدل ومقومات المدنية والسلام, على الرغم من التفاؤل الحذر, مع حجم التحديات التي تجابه وتهدد الآمال والتطلعات , بانتظار ما يحمله الغد من تطورات وتحولات وتغييرات مأمولة ومرتقبة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

قهرمان مرعان آغا يحدث هذا كله، في زمن الرئيس الأمريكي ترامب ، أَنْ تتآمر دولتان (تركيا- سوريا) في مواجهة حارتين ( كورديتين) في مدينة (حلب – الشيخ مقصود و الأشرفية) . تآمر تركيا كان بادياً في الشراكة من خلف الأبواب من خلال وجود وزير خارجيتها في باريس مع ممثلي السلطة المؤقتة في دمشق ، يوم 6 ك٢ – يناير 2026…

بعد التحية والتقدير أتوجه إليكم بصفتكم وكذلك فيما لو كنتم تمتلكون قرار الحرب والسلم .. وهذا ليس من باب الطعن أو التشكيك وانما بسبب المآل السوري الذي لم يعد أحدا فيه يمتلك إرادة الفعل والقرار فضلا عن تفريخ أمراء الحرب وتجار الدم ومرتزقة الأجندات في كل الجغرافيا السورية والذين لن يتوانو عن ارتكاب الفظائع فيما لو شعروا بأن البساط سينسحب…

شهد إقليم كُردستان خلال الأيام الأخيرة تصاعداً مقلقًا في خطاب الكراهية الموجه ضد السوريين، على خلفية التطورات الجارية في سوريا، ولا سيما الاشتباكات التي شهدها حيّا الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. وقد أسهمت بعض وسائل الإعلام في الإقليم، على نحوٍ خاص، في تأجيج هذا الخطاب وصبّ الزيت على النار، ولا سيما تلك…

صلاح بدرالدين في شتاء عام ١٩٦٨ وبعد حضوري مؤتمر جمعية الطلبة الاكراد في أوروبا المنعقد في العاصمة اليوغسلافية ( سابقا ) بلغراد ممثلا ( للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – سابقا ) ، وعودتي عن طريق البر ( كمرحلة أولى ) بصحبة السكرتير الأسبق للحزب الديموقراطي الكردستاني الأستاذ – حبيب محمد كريم – الذي مثل حزبه بالمؤتمر والصديق الأستاذ – دارا…