الشامان الكردي

ماجد ع محمد

بعد التنازلات الكبرى والتخبط الفاضح في تذبذب الخطاب السياسي، من مراقي الأهداف العظمى نزولاً إلى درك اللامطالب، يتساءل طيفٌ لا بأس به من المتنورين الكرد عن سر بقاء حشدٍ هائلٍ من أبناء المجتمع الكردي متعلقاً بشخص زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان، في الوقت الذي يرون فيه أن أوجلان كسياسي هو ليس أهلاً للتعظيم ولا للتوقير حتى، وذلك بناءً على مجمل مواقفه السابقة والحالية، فكيف بهم إذن المداومة على رفعه لمستوى التقديس؟ ولكن من قال إن كل من فاز بمقام التقديس لدى فئةٍ من البشر هو بحق أهلٌ لذلك التقديس؟ بل وقد يكون الأمر بخلاف ذلك تماماً، أي أن لا يمت المقدَّس للقدسية بأي صلة، ولكن ظروفاً ما ساعدت الشخص العادي أو صاحب السوابق بأن يتبوأ ذلك المقام المحمود في وجدان الناس، كما هو الحال مع شخصية القاتل جابر (تيم حسن) في المسلسل الرمضاني “مولانا”.

وفي ثنائية المقدَّس والمدنَّس يشير الكاتب السعودي عبدالعزيز حسين الصويغ في مقالٍ له تحت عنوان: (عندما تصبح القداسة سجناً) إلى التناقض بين تقديس شيءٍ لا علاقة له بالطهارة لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، مثل تقديس نهر الغانج في الهند من قبل أعدادٍ هائلةٍ من البشر، بالرغم من أنه أكثر أنهار العالم خطورةً بسبب عظمة تلوثه، فيقول الصويغ: “التعايش بين القداسة والتلوث ليس مجرد ظاهرة بيئية، بل هو مرآة لعقلية جمعية تسكن كثيراً من المجتمعات، حيث يُقدَّم الإرث الثقافي والديني على منطق العقل والحكمة، وأحياناً حتى على ضرورات البقاء”.

على كل حال، فبخصوص الزعيم الذي تبوأ مقام التقديس لدى جمهوره، أي ذلك السياسي الماكث في إحدى الجزر التركية، بإمكان الفيلسوف أو المفكر أو الحكيم أو الفرد العاقل الذي لديه شيءٌ بسيطٌ من نعمة التفكير الحر تفكيك فلسفة الشامان الكردي عبدالله أوجلان، وتبيان مكامن الخلل فيها بكل يسر، والتأكيد بالفروض والبراهين على عدم انسجامها مع الأعراف الدولية وعدم ملاءمتها للواقع، وعلى تناقضها مع منطق العقل والسياسة في الوقت الراهن، خصوصاً إذا ما سُمح لأوجلان بأن يُجالس منتقدي كبسولاته التنظيرية، فمن السهولة بمكان وقتها دفع أوجلان نفسه للتبرؤ من تشطيحاته الفلسفية، وتخليصه مما يُعرقل فكره، وجعله يتراجع عما انتشر باسمه أو قيل على لسانه، ولكن تبقى المشكلة الكبرى ليست في شخص أوجلان نفسه، إنما في الفيالق البشرية المصابة بعدواه، والمؤمنة بمعجزاته التي لم يُرَ أي أثرٍ لها سوى في تلافيف أدمغة الحشود الطائفة حول مزاره المقدَّس.

أن تُقنع أوجلان نفسه بعدم صحة أفكاره أسهل عشرات المرات من إقناع المؤمنين بلاصوابية تلك التصورات، وهو ما يعني بأن تحرير عقول أتباع ومريدي عبدالله أوجلان من مزاميره، ونفض رؤوسهم من أيقوناته المعلقة في تلافيف تلك الرؤوس، أصعب بكثيرٍ من تحرير أوجلان فيزيقياً من سجن (منتجع) إمرالي.

أوجلان هو ليس ذلك الشخص المقيم في جزيرة إمرالي التركية، وهو ليس الذي تم اختطافه عام 1999 في نيروبي بكينيا، أوجلان هو ليس ذلك السياسي الذي لم يكن يتحرك خطوةً واحدةً في سورية من دون حمايةٍ ومرافقة الأجهزة الأمنية السورية، فالأوجلانية سفسطة منظومةٍ كاملةٍ تعمل في الخارج على إبقاء الطلقاء أشبه بالعبيد لدى المتربع في ذلك المعبد/المعتقل.

ليس صعباً إزالة الآثار الأوجلانية من الشوارع والساحات والحدائق العامة والمدارس والمؤسسات المدنية والعسكرية، وليس صعباً انتزاع صوره حتى من على جدران البيوت، إنما الأصعب هو اقتلاع تلك الطلاسم الملتصقة بقيعان أقحاف المقتنعين بجلال قدره وعظمة دوره.

أوجلان لدى المؤمنين به ليس رجلاً من لحمٍ ودمٍ، أو مواطناً على هيئة باقي الأوادم يصيب ويخطئ، إنما هو المادة الأولية التي أدمن عليها الحشد الأعظم، ولكم أن تتصوروا صعوبة معالجة متعاطي المواد المخدرة.

ختاماً، بودي التذكير هاهنا بقصةٍ صغيرةٍ رواها أحد مؤسسي الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا، ألا وهو المرحوم رشيد حمو، والقصة عمن ابتُلي يوماً بالوهم ولم يعد قادراً على التحرر من أوهامه، وهو الأمر الذي دعا المعنيين بوضع ذلك الكائن الموهوم إلى البحث عن علاجٍ لعلته بعد أن أرهق نفسه والمحيطين به، قائلاً: إن ذلك الموهوم كان على الدوام يتصور بأنه حبة قمح ويخاف جداً من أن يلتقطه الدجاج فيغدو مأكول الدجاج، ولأجل نجاته مما أصابه لم يدخر الأصدقاء والمعارف جهداً لإزاحة ذلك الكابوس الماكث على صدره وتحريره من ذلك الوهم، وبعد جهدٍ عظيم استطاعوا أخيراً إقناعه بأنه إنسان وليس حبة قمح، وطمأنوه على أن الدجاج لن يقدر على التقاطه، ولكن الموهوم فاجأهم وقال لهم:

أنتم في الحقيقة أقنعتموني بأني لستُ حبة قمح، ولكن من الذي بمقدوره إقناع الدجاج بأني لستُ كذلك؟

لذا فحتى إذا ما أقنعنا هؤلاء المعتصمين بقفطان الشامان الكردي المعاصر بأن أوجلان آدمي مثله مثلهم، وأنه بشري الصفات والقدرات وهو من طينتهم، وليس كائناً مقدساً قط، ولكن أي سبيلٍ نسلك من أجل إقناعهم بأنهم ليسوا أرقاء يعتاشون على الحبوب (الكبسولات الشعاراتية) في حظيرة ذلك الشامان؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الشامانية: معتقد بدائي ونظام من الممارسات الدينية القديمة وفق الموسوعة الحرة، وهي تتضمن ممارسات الشامان، أي: (السحر والشعوذة)، والشامان هم سحرة دينيون يقولون بأن لديهم قوةً تتغلب على النيران، ويستطيعون إنجاز الأمور عن طريق جلسات تحضير الأرواح التي فيها تغادر أرواحهم أجسامهم إلى عوالم الروح أو تحت الأرض.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…