ما هو مصير الشرق الأوسط بعد انهيار النظام الملالي في إيران؟

عبد الرحمن حبش
منذ انتصار الثورة عام 1979 تحولت إيران من دولة إقليمية تقليدية إلى مشروع سياسي أيديولوجي عابر للحدود بنى نفوذه على شبكة تحالفات عسكرية وأمنية ممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط. لذلك فإن أي انهيار محتمل للنظام القائم في طهران لن يكون حدثا داخليا معزولًا بل زلزالًا جيوسياسيا يعيد رسم خرائط التوازن في الشرق الأوسط ويضع المنطقة أمام مرحلة انتقالية غير مسبوقة.الشرق الأوسط الذي تشكل خلال العقود الأربعة الماضية كان قائما على ثنائية صراع واضحة بين محور تقوده طهران ومحور تقوده قوى عربية مدعومة غربيا. هذا الاستقطاب لم يكن سياسيا فقط بل أمنيا واقتصاديا وطائفيا في بعض تجلياته.

وعليه فإن سقوط النظام الإيراني سيعني انهيار أحد أعمدة هذا التوازن الهش، وفتح المجال أمام إعادة تموضع شاملة للقوى الإقليمية. دول الخليج ستجد نفسها أمام فرصة تاريخية لتخفيف الضغط الأمني الذي لازمها لعقود لكن هذه الفرصة قد تترافق مع مخاوف من فوضى انتقالية داخل إيران قد تنعكس اضطرابا في أسواق الطاقة أو تصاعدا في الهجرة والتهريب عبر الحدود.

أما في العراق وسوريا ولبنان حيث شكل النفوذ الإيراني عنصرا حاسما في صياغة موازين القوى فإن أي تصدع في المركز سينعكس مباشرة على الأطراف. في العراق قد يعاد فتح النقاش حول هوية الدولة وتوازنها بين العروبة والعمق الإقليمي بعيدا عن ثقل الوصاية غير المعلنة.

وفي سوريا سيضعف أحد أهم أعمدة الدعم العسكري والسياسي للنظام ما يخلق فرصة ولو نسبية لإعادة إطلاق مسار سياسي أكثر توازنا تتراجع فيه الحسابات المرتبطة بالمحاور الخارجية لصالح تفاهمات داخلية برعاية دولية. أما في لبنان فإن تراجع الدعم الإيراني سيعيد خلط الأوراق داخل المعادلة السياسية ويفتح المجال أمام إعادة تعريف دور الدولة ومؤسساتها.

القضية الكوردية بدورها لن تكون بمنأى عن هذا التحول. فإيران تضم كتلة كوردية وازنة وأي تغيير في بنية السلطة قد يفتح الباب أمام إعادة طرح مسألة الحقوق القومية ضمن إطار وطني جديد. كما أن تراجع النفوذ الإيراني في كل من العراق وسوريا سيمنح القوى الكوردية هامش حركة أوسع لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام مسؤولية إدارة المرحلة بحذر لتجنب الانزلاق في فراغ أمني أو صراع نفوذ بديل.

دوليا لن تقف القوى الكبرى موقف المتفرج. الولايات المتحدة وأوروبا ستتعاملان مع المشهد بوصفه فرصة لإعادة دمج إيران في النظام الدولي بشروط جديدة بينما ستسعى روسيا والصين إلى حماية مصالحهما الاستراتيجية ومنع خسارة موقع جيوسياسي بالغ الأهمية. التجارب السابقة في المنطقة من بغداد إلى كابول أثبتت أن سقوط الأنظمة لا يعني بالضرورة ولادة الاستقرار بل قد يفتح أبوابا لفوضى طويلة إن لم تتوفر رؤية انتقالية واضحة.

إن مصير الشرق الأوسط بعد انهيار النظام الإيراني لن يتحدد فقط بسقوط سلطة وصعود أخرى بل بمدى قدرة الفاعلين الإقليميين على استثمار اللحظة لبناء معادلة أمن جماعي جديدة تقوم على المصالح الاقتصادية والتكامل الإقليمي بدلًا من سياسات المحاور والصراعات بالوكالة. المنطقة اليوم أمام مفترق طرق تاريخي فإما أن يتحول التحول المحتمل إلى مدخل لإعادة تأسيس نظام إقليمي أكثر توازنا وإما أن يكون بداية لمرحلة من الفوضى وإعادة التشكل القسري.

التحولات الكبرى لا تقاس بلحظة سقوط بل بقدرة القوى السياسية على إدارة ما بعدها. وفي حالة إيران فإن السؤال الحقيقي ليس فقط عن مصير نظام بل عن شكل الشرق الأوسط الذي سيولد من رحم هذا التحول شرق أوسط التسويات الكبرى أم شرق أوسط الفراغات المفتوحة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الأفاضل: نتحدث عن الخيمة، والخيمة مسكن كوجري أو بدوي، يسهل بناؤه، وكذلك نقله في ساعات قليلة، وهي أفضل مسكن لمواجهة الزلازل مهما بلغت قوتها، فالأضرار فيها شبه معدومة. وللخيمة نماذج متعددة: المضافة، وخيمة العزاء، وخيمة الفرح، وخيمة العمال، وخيمة الخدم… ويذكرنا التاريخ بخيمة إبراهيم باشا الملي، التي كانت مقر قيادة الإمارة التي امتدت سلطتها من دير…

أكرم محمد يُمثل التناقض الجذري بين الفكر القومي الكردي التحرري (الكوردايتي) وبين التيار اليساري والشيوعي الكردي أحد أعمق الشروخ البنيوية التي أصابت جسد القضية الكردية طوال القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ حيث يرى الخطاب القومي التاريخي والمعاصر أن هذه الشريحة الآيديولوجية شكلت تاريخياً، وعبر أدوات ناعمة وخشنة، كابحاً حقيقياً وعائقاً وجودياً أمام تحقيق الطموح القومي الأسمى المتمثل في بناء دولة…

خالد حسو اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل بين الناس، بل هي وعاء الذاكرة الجماعية، وخزان التاريخ، والمرآة التي تعكس هوية الشعوب وثقافتها وحضارتها. فكل أمة تحافظ على لغتها إنما تحافظ على وجودها، لأن فقدان اللغة يعني فقدان جزء أساسي من الذاكرة والخصوصية والانتماء. تحتل اللغة الكوردية مكانة عميقة في وجدان الشعب الكوردي، فهي ليست فقط كلمات وجملاً نتبادلها، بل هي…

مهند محمود شوقي على مدى سنوات، اتجه اقتصاد إقليم كوردستان بصورة متزايدة نحو القطاع الخاص، الذي لعب دورًا مهمًا في تعويض النقص في الخدمات والاستثمار خلال مراحل مختلفة. إلا أن هذا التوسع، في بعض القطاعات، ترافق مع اختلالات في السوق، تمثلت في ارتفاع الأسعار، وضعف المنافسة، وظهور حالات احتكار أرهقت المواطن، خاصة في الخدمات الأساسية التي تمس حياته اليومية. منذ…