وقفة مع تنصيب أوباما

  الدكتور علاء الديـن جنكو

أمة تحترم مبادئها لا يمكن إلا أن يحترمها غيرها حتى لو كانت ألد خصومها، كنت ولا أزال أعارض كل ما قامت به الحكومات الأمريكية المتعاقبة سواء الجديدة منها أو القديمة وخاصة في سياساتها الخارجية المنحازة وبامتياز !!
تلك السياسات التي جاءت مصائبها على رأس الشعوب منذ أن تولت أمريكا قيادة العالم بعد الحرب العالمية الثانية سياسياً واقتصادياً .

وكان لنا نحن الشعب الكردي النصيب الأوفر من النتائج السلبية لهذه السياسات على الرغم أن نهايتها كانت القضاء على دكتاتور العصر وجلاد شعبي صدام حسين !!
لن أدخل في تفاصيل السياسة الخارجية الأمريكية والمنحازة لقوى الظلم والاستبداد والدكتاتوريات في العالم فتلك مسألة متعلقة بمصالحها وعتابها نوع من الفرار من المسؤولية الملقاة على عاتقنا !!
لكن الذي أود قوله وإبداؤه إعجابي بتلك المشاهد المثيرة للجدل عندما استلم باراك حسين أوباما ابن الشخص الذي لم يكن يسمح له بالعمل في المطاعم يوماً لؤمن لقمة عيشه وابنه اليوم تقلد رئاسة  أكبر قوة في العالم ليكون الرئيس الرابع والأربعين لها ، عندما قام باستلام مهمته من خلفه جورج بوش بطريقة سلسة وآمنة أمام أعين الملايين من أبناء شعبه والعالم بأكمله مثبتين احترامهم لمبادئهم وقوانينهم ودستور بلادهم !!
لم يدخل أوباما البيت الأبيض وهو يقود دبابة ويحمل رشاشاً وقنبلة يدوية وجيش من عصابات السود ، دخلها من بابها وهو يلوح لكل الأمريكيين سوداً وبيضاً ، يقسم أمام الجميع أنه سيخدم بلده وفقاً لمبادئها مستلماً المهمة من سابقه بمصافحة تخفي ورائها ثقل الحمل الذي تركه له مودعه جورج بوش .
وبالمقابل خرج الأخير من البيت الذي مكث فيه ثمانية أعوام بعد أن شارك في مراسيم تنصيب خلفه إلى آخر لحظاتها ليستأذن بالرحيل إلى ولايته تكساس على طائرة وأباما يلوح له بالوداع !!
مشاهد لا أخفي إعجابي بها حتى لو كنت معارضا لساستها ، تمنيت لو رأيت ذلك ولو مرة قبل مماتي في إحدى بلادنا الإسلامية لا سيما ونحمل مبادئ أنقى وأصفى وأدق وأشمل من مبادئ الأمريكان ولكن الفرق بيننا أننا لا نحترم مبادئنا ولا نولي لها اهتماماً ، ننظر إليها كدابة نمتطيها لنؤمن بها مصالحنا وتبقي أسيرة رفوف النسيان يغطيها الغبار وتأكلها الأرضة !!
لم يكن الطريق لأوباما سهلاً للوصول إلى هذا المكان ، ولم يصل إليها بلمسة سحرية ، ولا على ظهر عفريت ولا بأمر من البابا ولا على حساب قطرة دم تراق من غير ذنب !! وصل إليها بصوت الكلمة الحرة والمنافسة القوية الموضوعية والواقعية بغض النظر عن كل من وقف وراءه لفوزه !!
جاء تنصيب أوباما درساً لكل العالم بمختلف توجهاتها وقيمها ومبادئها لتؤكد أن طريق السيادة لا يمكن أن يكون إلا بالعدل والمساواة واحترام الآخر .

الكل يدعي بذلك لكن التطبيق العملي لها مفقود حتى عند من يحملون أجل وأعظم القيم والمبادئ .
دولة العدل باقية وإن كانت كافرة ، ودولة الظلم ستزول وإن كان مؤمنة ، هذا ما قاله علماؤنا الأجلاء واليوم نجد حقيقتها في أكبر وأقوى دولة قامت أساساً على ملايين الجماجم ، لكنها اليوم تحافظ على نفسها وبنفسها من خلال أجيال تعاقبت على احترامها لمبادئها .
قد لا يروق كلامي هذا للكثيرين ولكني أذكر الجميع بقول الله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ المائدة /8.
وقل الحق وعلى على نفسك ، والنجيب من يعرف قيمة خصمه ويحسب لها ألف حساب والعاقل من يستفيد منها ، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذ بها كما قال رسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم .
وقد يذهب البعض إلى اتهامي بالاغترار والخروج عن مبادئه ودينه التي تربيت عليها ، لكني أقولها وبكل إيمان وصراحة : إن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي تاركاً منهجاً ومبادئ وقيماً لا يرتقي لها لا مبادئ أمريكا ولا غيرها، لكنه في الوقت نفسه لم يخلف وراءه حاكماً ولا طريقة لاختياره تاركاً الأمر للمسلمين يختارون قائدهم الجديد بالطريقة التي تناسبهم فتلك أمور دنيوية، فكانت سلطة الخلفاء الراشدين، ثم الخلفاء والورثة، وبعدهم السلاطين والملوك ، واليوم لا مانع أن يتبع المسلمون طريقة جديدة لاختيار قائدهم، وأرى أن أمثلها وأفضلها وأكثرها عدالة وموافقة لروح الإسلام عند فقدان أهل الحل والعقد هي صناديق الاقتراع واختيار الشعب !!
فما رآه الناس حسناً فهو عند الله حسن ولا يمكن للأمة أن تجتمع على ضلالة.

وخاصة إذا علمنا أن الدستور والمبادئ قائمة وسلطة التشريع متوفرة لكنها تفتقد لرجال مخلصين يدخلون غمار خدمتها تاركين حب الذات لغيرهم، ومصالحهم خلف ظهورهم .
حينها وأنا على يقين لن نكون أقل من أمريكا وشعبها ورؤسائها سيادة واحتراماً وقيماً وقيادة للعالم.

وأغتنم الفرصة في هذه المناسبة لأذكر ساستنا الكرد التعلم من هذا الدرس ، فالاستفادة منها حكمة، وتطبيقها بما يناسب أجواءنا عقلانية.

يجب على الجميع أن يسعى إلى تحقيقها وكفانا تلذذاً بحرارة الكراسي التي نجلس عليها.

فالتاريخ كفيل ليخلد أسماء الأبطال الذين يخدمون شعوبهم ثم يرحلون بسلام عندما يتم اختيار غيرهم !!

www.alaacengo.co.cc

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…