الكرد..وغزة..!

محمد قاسم

التعاطف مع المظلوم أمر منطقي في تكوين البشر الذين تستفز المشاعر الإنسانية لديهم تجاه أي حالة مؤثرة كالقتل والتهجير والتشريد..الخ.
لكن النوازع التي تعيش في النفوس قد  تشوش على حالة التعاطف الفطرية في الإنسان..وتجعل التعامل مع الظروف المؤلمة متأثرة باعتلاجات قد تكون نتيجة ردود أفعال على حالات ومواقف سابقة..وهذه من طبيعة الأشياء –او الأمور-

ولهذا فإن وظيفة الحوار- شفاها او كتابة..

هي أن تجلّي الحقائق استنادا الى مناهج حوارية أصبحت معروفة..ومتفق عليها بين الأطراف المتحاورة..لكي ينضبط الأداء بهذا المنهج.
قدمت بهذا الكلام لأتحدث عن موضوع غزة..حيث تجري الفظائع والجرائم  بحق بشر يفترض أن نتعاطف معهم –بغض النظر عن المواقف السياسية..
بالنسبة لنا  كشعب كردي -على الأقل-
وقد لاحظت في كتابات بعض الكتاب الكرد أنهم  يثيرون بعض إشكاليات حصلت من مواقف بعض الفلسطينيين -و العروبيين- الذين ابتهجوا بقصف  الرئيس العراقي  المخلوع “صدام حسين” للكرد.مما مس مشاعر الملايين الكرد في كل  مكان..وترك جرحا عميقا  في نفوسهم .

كما أن موقف بعض قيادات حماس بالذات-حينها- كانت تصب في مجرى العداء للكرد والاستعداء عليهم  في كردستان العراق خاصة..

وطبعا لم يكن متوقعا منهم أن يفعلوا ذلك لأسباب ليس الآن محل ذكرها..
 فالفرحة بحرق الآلاف من الكرد  بالكيماويات ..وأنفلتهم، وقتل وتهجير الآلاف -ومنهم من لا يزال مفقودا حتى هذه اللحظة-  من الأمور التي لا تستقيم مع قيم الشعب الفلسطيني  الذي احتلت أرضه..وهُجِّر أبناؤه..ولا يزالون يعيشون مشردين في أماكن مختلفة وفي ظروف  قاسية..سكنا ومعيشة..وحياة بشكل عام.!
وهاهم اليوم يعيشون أقسى ما يمكن تصوره من العذابات في ظل قصف همجي –لا ادري كيف أن بعض البشر لا يتأثر بما يحدث ولو من باب إنساني فحسب..!!
مثل ذلك  الموقف..

ترك أثرا مؤلما في نفوس كل الذين يحسون بالمسؤولية تجاه التجاوزات الشريرة لحقوق الإنسان في كل مكان.

وليس الكرد فقط…
فالبعد الإنساني يفترض أن البشر جميعا يشتركون في الآلام .وخاصة أبناء الدين الواحد والتاريخ الطويل المشترك …والجوار الجغرافي..وهذا ما يشير اليه الحديث الشريف:
“مثل المؤمنين  في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر” او كما قال.
غير أن اختلاف القيم التربوية والمعتقدات بأشكالها المختلفة هي التي تباعد بين المشاعر الإنسانية وخاصة على يد المنتفعين –الساسة والتجار ..-او بلغة العصر –الاقتصاديون ..!
 ويمكنني أن أضيف أصحاب الأيديولوجيات الحزبية-الشمولية- التي سخرت مشاعر الناس القومية –العرب خاصة- لأغراض سلطوية ،أساءت الى نقاء الروح الاجتماعية..
ما أود قوله هو : كل ما ذكر أعلاه –وبالرغم من صحة الكثير منه وللأسف- إلا انه لا ينبغي أن يمنعنا كشعب كردي ..وكبشر عموما..أن نحس بما يعيشه المنكوبين من الفلسطينيين وفي غزة خاصة..ودون الدخول في سجالات سياسية بين الفلسطينيين أنفسهم..فذلك شانهم وهم  المسؤولون –سلبا او إيجابا- عن حالهم..
نحن كشعب كردي، عانى الكثير –بغض النظر عن كيف  وممن- المهم عشنا المعاناة..

وعشنا الألم ..

وعشنا الفقر..

عشنا الحرمان..

وعشنا الظلم والاضطهاد  ..

وعشنا الجوع..وعشنا التهجير القسري المنظم..ولا نزال نعيش هذه اللحظات والممارسات المنهجية بكل أبعادها..
ولا تزال بعض القوى الحاكمة تستثمر مطالبتنا بحقوقنا،لسجننا واتهامنا بكل ما يخدم أجنداتهم السلطوية المصلحية بروح شوفينية طاغية تستجر الشعوب مشاعريا الى أجنداتها،فتشوه الحس الإنساني لديها أيضا… !
لا يزال اثر هذه المعاناة يعشش كل كياننا النفسي والمادي  بكل التجليات المؤلمة..!
أفلا ينبغي- ونحن نعيش المعاناة في أقصى صورها- أن نحس ونعيش مأساة الفلسطينيين؟
أفلا يجب أن نتألم  معهم لآلامهم إنسانيا..ودينيا..ورابطة تاريخية ..؟!
ان الكثير من  شوارع الفلسطينيين ، وحاراتهم، ومدنهم وقراهم،وفرقهم وجماعاتهم المقاومة ….تحمل اسم صلاح الدين الأيوبي –الكردي- محرر القدس في معركة حطين الفاصلة..وهذا له دلالاته الدينية والتاريخية …!
وهناك في فلسطين كرد منذ كان صلاح الدين-وان كانوا يعيشون بعض ما نعيشه نحن  من المعاناة بصورة او بأخرى في ظل فلسفة عروبية هي: “لكي تعيش ينبغي أن تندمج في الثقافة العربية ..

وتتخلى أن خصوصياتك الثقافية وانتمائك العرقي…”
متحدين في ذلك خلق الله نفسه..وكان الناس هم الذين خلقوا أنفسهم انتماء..!!
ولو أدرك بعض المثقفين العرب الذين يكنون العداء والكراهية للكرد–وربما هذه خاصة متأصلة في بعضهم بتأثيرات تربوية سياسية خاطئة..-
لو أدركوا  أن معركة حطين بقيادة الكردي صلاح الدين والتي كانت فاصلة وأدت الى عودة الفرنجة الى غربهم..بعد عشرات السنين..انها هي التي أفرزت اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت بلاد الكرد بين أربعة دول..وجعلتهم يُداسون-ثمنا لذلك- من إخوة لهم يدّعون الإسلام وفي تناغم مع المشروع الاستعماري..ويتظاهرون بالشفقة والألم لبعض الآلام تحت عناوين مختلفة –قومية او إسلامية…الخ.
لكن كل ذلك لا يعني أبدا أن نكون كذلك..!
علينا أن نتعالى على جراحاتنا ومعاناتنا..ونوهّج الحس الإنساني في ذواتنا،وننميه..
المأمول من الكرد أحزابا وإفرادا مثقفين ومختلف الفعاليات الأخرى..أن يحسنوا التعبير عن تألمهم..لما يعيشه الفلسطينيون وخاصة في غزة..وعن تعاطفهم المعنوي والمادي…!
المأمول من الكرد –كما أتمنى- أن لا يفقدوا الخاصة الإنسانية في ذواتهم-في ثقافتهم -في تربيتهم- في تكوين شخصيتهم..ولنتخذ من بعض رموز السلم والحكمة قدوة في حياتنا كردا وغير كرد..

ما يجري في غزة يستدعي التفاعل معه بروح مسؤولة من الكرد .ولنتجاهل بعض التجاوزات من كتاب وسياسيين –حاضرا وسابقا- مارسوا الخطيئة في حق الكرد فلهم دينهم ولنا ديننا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…