الحل: ترميم البيت الكردي

صلاح بدرالدين

         أثارالمشرف المسؤول في موقع – Nefel – انتباه المعنيين بالشأن القومي في مقالته المنشورة (22 – 12) والتي احتوت تعليقا ساخرا على خطاب كل من المكتبين السياسيين للحزب الديموقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني الموجه الى وفد من حزب – hak par   –  التركي – الكردي خلال زيارته الراهنة لكردستان العراق والمتضمن ” مطالبة ملحة بضرورة ممارسة العمل السياسي السلمي وحسب الأصول الديموقراطية لنيل الحقوق وتحقيق المطالب والأهداف ” كما تناول جانب من المقالة بالنقد الصريح قادة الحزبين المضيفين وتخطئتهما باختيار العنوان الخطأ
حيث كان الأولى توجيه تلك النصائح الى وفود “P K K  و  D T P   ”  عندما كان وفد من الحزب التركي الكردي الأخير – حزب المجتمع الديموقراطي – القريب من حزب العمال الكردستاني في زيارة مماثلة الى كردستان العراق والحزبان اما يمارسان العمل المسلح أو لا يعارضانه  بخلاف حزب – حق بار –  العلني الذي يلتزم بقوانين الدولة التركية ويرفض العمل المسلح حسب ما جاءت في مقالة مدير موقع – نفل – .
   ماعبرت عنه المقالة من نقد وموقف وبغض النظر عن هدف الكاتب وتوجهاته وظرفية الحدث ترتبط حسب تقديري بمسألة جوهرية أهم وأوسع يتناولها الكثيرون من الكتاب والاعلاميين والمثقفين والحزبيين الكرد على الدوام وكل بطريقته ألا وهي قضية العلاقات الكردية – الكردية أو الكردستانية أو البيت الكردي أو الاستراتيجية الكردية القومية وهي وان اختلفت تسمياتها تتجسد في قاسم مشترك واحد خضع لعوامل التاريخ والجغرافيا السياسية منذ قيام الامبراطورية العثمانية التي شملت الجزء الأكبر من الكرد وموطنهم وابرام اتفاقية سايكس – بيكو وترسيم الحدود الراهنة بين الحربين حيث أصبح التقسيم أمرا واقعا الذي دفع باتجاه احداث تعريف جديد على الهوية الكردية المتجسدة با الأقسام الملحقة بدول : تركيا والعراق وسوريا اضافة الى القسم الملحق بأيران مما أسس لمزيد من التباعد المجتمعي والاقتصادي والثقافي وحول الكرد الى – أكراد – متناثرين وفي خضم التطورات التاريخية هذه وفي أحشاء تحولاتها الجيوسياسية التي استمرت قرونا ولد الوعي القومي الكردي الجنيني وتفاعل صعودا وهبوطا نموا وجمودا مع نسق الواقع السائد وعلى مستوى وتيرة العوامل المؤثرة في حركة التطور التاريخي وحرية الشعوب ومواقع حركات التحرر والصراع مع الاستعمار في الشرق فعلى سبيل المثال خلال سنوات الحقبة العثمانية رغم ما اتسمت بها من ظلم وقمع تجاه الأقوام غير التركية كانت تجليات الحركة القومية الكردية في ذلك الزمان من جمعيات سياسية وثقافية ومؤسسات صحفية ونشطاء العائلات الوطنية وشعراء وأدباء وشخصيات دينية واجتماعية من استانبول الى السليمانية مرورا بدياربكر أقرب الى بعضها البعض وأكثر تعارفا وتفاعلا وانسجاما وأنشط في مجال التعامل مع الكرد القابعين تحت سلطة الصفويين في الشرق الذين لم يشعروا يوما بالغربة القومية والانعزال عن أشقائهم في الجنوب والغرب بعكس مرحلة ما بعد التقسيم المستمرة حتى الآن التي فرضت واقعا جديدا وأدت الى المغادرة القسرية للفكر الكردي من القومي العام الى القطري الخاص رغم المقاومة الثقافية – السياسية  المستميتة المشهودة لحركة – خويبون – وتوزعه الثقافي بالتالي على حضارات ولغات وثقافات جديدة لها الغلبة بفضل سلطاتها الدولتية وامتيازاتها المستمدة من حاكميتها القومية السائدة المكسوة بعباءة الاسلام السني والشيعي .

  رغم قساوة حكم الارادة الدولية بعصبتها وهيئتها ومنظومات أقويائها ذات الطابع العالمي وعسف خطوط الجغرافيا التي رسمها المستعمرون في نشوة انتصارهم وألغام الحدود المرسومة كان هناك دائما الحدود الدنيا من التواصل القومي بين الكرد الذي ظهر عفويا أو عن سابق تصميم انسانيا وعشيريا وعائليا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا ومن ثم سياسيا في نهاية المطاف الا أن جاءت ثورة أيلول بقيادة الزعيم الراحل مصطفى البارزاني في النصف الثاني من القرن العشرين لتشكل الرافعة الجديدة للملمة ماتبعثر من مقومات الحلم القومي المشروع نحو التحرر واستكمال شروط الهوية واعادة بناء أسس التعايش السلمي مع الشعوب والقوميات المتجاورة والمتشاركة في حضارة المنطقة منذ غابر الأزمان.
  أهم ما أفرزته المرحلة التالية مابعد ثورة أيلول بشأن السياسة القومية ذلك الاصطفاف الثنائي لنهجين طبعا الحباة السياسية الكردستانية لنصف قرن (من منتصف ستينات القرن المنصرم وحتى نهايته عند ابرام اتفاقية واشنطن بين الحزبين الرئيسيين في كردستان العراق) أحدهما قومي ديموقراطي يمتاز بالأصالة التاريخية والقبول الشعبي والصدقية والأخر يعاني اشكالية حرق المراحل والالتباس في مسألة الصلات مع الأنظمة في البلدان المقسمة للوطن القومي والعلاقة مع الجماهير والحركة الديموقراطية لشعوب القوميات السائدة ولم يكن الصراع بين النهجين فكريا وسياسيا كما هو متعارف عليه في المجتمعات الحضارية فحسب بل اتخذ معظم الأوقات طابع المواجهات العنفية والاستهداف الشخصي والتخوين الى جانب تجييره واخضاعه لمداخلات أجهزة الأنظمة الشوفينية الحاكمة في البلدان الآربعة التي استثمرت ” شقاق الأمة ” وتناحر القبائل الحزبية الى أقصى الدرجات .
   كان لابد من هذه المداخلة الاستذكارية من أجل فهم أسباب ونتائج الأزمة المستعصية التي تعاني منها العلاقات القومية والمستمرة منذ عقود وما تتخللها مشاهد كالتي أثيرت في مقالة – نفل – التي يمكن تأويلها بشتى المعاني بين قائل بنقص المعلومات وانعدام مقاييس المعرفة والجهل في التمييز بين الاتجاهات والتيارات السياسية وآخر باخراج الهم القومي من أولويات الأحزاب الكبيرة والصغيرة وثالث بتقصير المركز القومي في اقليم كردستان الفدرالي قي أداء مهامه ووظيفته التاريخية ورابع بتساوي جميع الأحزاب والمنظمات القائمة في الأجزاء الأربعة في وضع التزامات الشأن القومي العام على الرف وخامس بعجز العقلية الحزبية عن انجاز مهام – الكردايتي – في عصرنا والبحث عن بدائل مناسبة قد يكون من بين خياراتها الجيل الثاني من المثقفين المنحدرين من طبقات العوام وفئات الطبقات الوسطى أو العودة النقدية التجديدية الواعية الى الجذور واستحضار مفاهيم وتجارب ومدارس قومية غيرت مسار تاريخنا مثل مدرسة – خويبون – ونهج البارزاني على وجه الخصوص.

    ماتعانيه العلاقات القومية من خلل يومي في ظل الأزمة العامة لن يدوم اذا توفرت النيات الصادقة زائدا الشروط الموضوعية ومن مصلحة الجميع اعادة بناء البيت الكردي والكردستاني وتلك ليست بالمهمة السهلة بل تحتاج الى المزيد من الحوار وممارسة الكثير من النقد الذاتي في اطار مشروع مصالحة قومية شاملة على قاعدة تشخيص حقائق التاريخ الماضي القريب والأحداث مهما كانت مرة وقبول الواقع كما هو بأحقية وجدارة المركز القومي بهولير حسب كل المواصفات ووضع قواعد للعلاقة الديموقراطية المتساوية بين المركز والأطراف وقبول البعض الآخر بعد اعادة الفرز الفكري والسياسي والتوافق على امكانية تعايش المختلفين حول الحاضر والمستقبل ومشروعية بروز نهجين على الأقل يتنافسان بشكل حضاري ويتواجهان في صراع سياسي سلمي على الساحات والبلدان ولاشك أن الابطاء في تحقيق ذلك سيجلب المزيد من الاشكالات والاحراجات وحتى المواجهات خاصة عندما تدفع المصالح الذاتية الضيقة السريعة مجموعة من هنا وشخصا من هناك للتوجه – طائرا – دون حرج من عواصم الاستبداد والشوفينية الى “نعيم” الاقليم الفدرالي المكتسب بفضل دماء الشهداء بعد أن كان متواريا عن “جحيمه” لعقود أيام المحن والصعاب والأهوال أوليس ذلك أحد أبرز الغرائب الكردية في أزمة العلاقات القومية ؟.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…