«حذاء» الدمار الشامل

صلاح بدرالدين

       التصرف غير السوي للمراسل التلفزيوني العراقي منتظر الزيدي خلال المؤتمر الصحفي المشترك بين كل من الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش ورئيس الحكومة العراقية نوري المالكي في بغداد أمس الأول بعد التوقيع على الاتفاقية الأمنية ومتابعة الملايين لفردتي حذائه الطائرتين صوب المنصة ورد فعل الرئيس بوش المتماسك بقوله : ” بالحرف ” ماذا يعني لو رماني احدهم بحذائه” ” انها احدى الطرق للتعبير عن الرأي” هو اراد لفت الانتباه اليه” ” هذا تصرف اولاد الشوارع”…..أعاد بنا الذاكرة الى استرجاع مشهدين حصلا في لبنان في توقيت متقارب وكنت حاضرا
في الأول بعد طرح البرنامج الوطني المرحلي الفلسطيني الذي تبنته منظمة التحرير ظهرت معارضة قوية من حانب بعض الفصائل وبدأ كل طرف بحملات اعلامية لصالح توجهه وكان من بينها اقامة الندوات في قاعة جامعة بيروت العربية في الفاكهاني وحضرت معظمها مستمعا لكل من – نايف حواتمة والراحلين جورج حبش والرئيس ياسر عرفات – وفي ندوة أبو عمار كانت القاعة محتشدة بشبان حركة – فتح – اليساريين الذين أعاقوا سير الندوة وقطعوا الطريق على المحاضر وهو زعيمهم ومن أرفع الشخصيات الفلسطينية لمدة تقارب النصف ساعة باطلاق الهتافات الثورية المناهضة له وللبرنامج ووقف ابو عمار صامتا منتظرا بفارغ الصبر الى أن هدأت القاعة قليلا وأطلق بأعلى صوته شعار : “عاشت الديمقراطية الفلسطينية ” لمرات عديدة الا أن استجاب الجمهور له بل ومالوا اليه تلقائيا وبدأ الشبان بترداد شعار ” بالروح بالدم نفديك ياابو عمار ”  مطالبينه بالتحدث اليهم , وفي المشهد الثاني بعد محاولة الاغتيال الثانية للسياسي اللبناني الراحل ريمون ادة عميد الكتلة الوطنية على طريق جونية من جانب قوات الكتائب اللبنانية وفي معرض رده على سؤال أحد الصحافيين حول مغزى اصابته برجليه في المحاولتين قال العميد المعروف بخفة الدم وسرعة البديهة وصاحب النكتة السياسية ” كل واحد يضرب على مستواه ” .
   بالرغم من موقع الرجلين المؤثرين وكل من موقعه في السياستين اللبنانية والفلسطينية ودورهما في رسم المواقف الاقليمية والدولية عندما اندمجت القضية الفلسطينية بالوضع اللبناني وتحولت ساحته الى مركز استقطاب المعسكرين العالميين وصراعهما حول النفوذ في الشرق الأوسط الا أنهما في المشهدين لم يحظيا باهتمام ربع قدر الاهتمام الاعلامي العربي والعالمي بتلك الفعلة – البغدادية – المنكرة التي لايقدم عليها عاقل ولاعجب في ذلك حيث نعيش عصر الردة الاعلامية  الاستهلاكية الهابطة وفضائيات البترودولار المنقادة اما من أنظمة متحجرة أو من التحالف الممانع بين الأصوليتين القومية الشوفينية الاستبدادية والاسلامية السياسية ففي لغتها يتحول الارهاب الى مقاومة والدمار الى النصر الالهي والتنازل عن الاسكندرون والجولان الى الصمود وقمع الشعوب وانتهاك الحريات الى مصالح الأمن القومي والتفاوض مع اسرائيل وارضاء الغرب الى مواجهة الضغوط الخارجية ومفردة – أنصاف الرجال – السوقية الى ملحمة الشجعان وعبارة – مصخرة – قائد انقلابيي غزة الى كلام منزل وحذاء الزيدي الى منزلة اللاة والعزى في عصر الجهالة والوأد والظلام وليس من المستبعد أن يحل الحذاء شعارا يزين قناتي  – الجزيرة – و – المنار – مثلا أو علما للتيار الصدري أو شارة تتوج بها رؤوس الممانعين في المنطقة أو وساما على صدور قادة الارهاب .


   ليس مهما أن يكون ذلك الزيدي مأجورا لجهة سياسية عراقية صدرية كانت أم بعثية أو ارهابية أو أجنبية ايرانية أو سورية أو منقادا بالرغم من ارادته بل الأهم هو بؤس المشهد الذي يعكس التردي الخلقي والبعد عن أصول التخاطب البشري والحوار الانساني في اطر القيم الديمقراطية وحقوق الانسان وما يرمز اليه الكائن عندما يصر أن يكون حافيا بالعودة الى الوراء قرونا الى عصور الانسان البدائي أو التعبير عن الغريزة العنصرية الكامنة في النفوس ضد الآخرالأجنبي فاذا كان الفعل موقف سياسي ضد الاتفاقية الأمنية فهناك طرفا المعادلة على المنصة لماذا يعفى المالكي ويستهدف بوش أوليس أولياء الأمور الأقربون أولى بالتخاطب ؟
  لقد قدم رامي الحذاء ومن حيث لايدري دليلا آخر على أن العراق شهد تحولا ديموقراطيا حقيقيا بعد زوال الدكتاتورية التي كانت تجز الحناجر من أجل كلمة حق وتقطع الألسنة التي كانت تتطاول ولو همسا ليس على مقام الدكتاتور فحسب بل حتى موظفي بلديات النظام المقبور – مع كل الاحترام لهم – وعلى كون رئيس الدولة الأعظم في العالم أكثر مدنية وتواضعا وعدلا من معظم حكام الشرق الأوسط رغم اختلافنا مع الكثير من جوانب سياسة بلاده من قضايانا .

  ان احدى التحديات الفكرية – الثقافية التي تواجه مجتمعاتنا وحركاتنا الوطنية وبعض الفئات اليسارية الراديكالية خصوصا هي الانزلاق التدريجي نحو شخصنة السياسة والانتقال من فضاء الصراع السياسي الخلاق والمبدع مع آيديولوجيا العدو الطبقي والفكري ونهج الخصم الثقافي بالطرق العلمية والحوار الواعي المنهجي الى التحرك حسب الغرائز والدوافع الذاتية المزاجية والعداوة غير القابلة للتغيير والمواقف المسبقة والحقد الأعمى تجاه المختلف المقابل كائنا بشريا أو حزبا أو دولة أو قوما أو دينا أو مذهبا وما همروجة البغدادي الأخيرة الا صورة فردية عن ثقل التحدي واشكالية وسائل التعبير ومأزق العمل الوطني في المرحلة الراهنة ليس في العراق وحده بل في مختلف بلدان الشرق الأوسط.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…