المواقف الموروثة

مروان سليمان

تتحول الإنقسامات في سوريا من الظواهر المتفرقة في عهد النظام البائد إلى إنقسام منظم تعيد تشكيل الفرد و المجتمع و السلطة مع بعضهم البعض و لم يسأل أحد نفسه كيف يمكن التعايش في ظل هذه الأجواء المشحونة و الإنقسام الموروث و النتيجة الواضحة هو أنه لم يعد هناك إختلاف بل رفض المختلفين كلياً و عدم إعطائهم مساحة للتعبير أو مناقشة الحقوق الطبيعية و هنا يبدأ المجتمع في الإنهيار و ينفصل عن بعضه البعض و تختفي مساحة الحوار و الجيرة و المصاهرة و يبدأ التواصل بالتآكل تدريجياً و يبأ كل طرف بالعيش داخل بيئته و يزداد اليقين يوماً بعد يوم باستحالة العيش مع الأطراف التي تعادي مجتمعاً متداخلاً مع بعضه البعض دون مراجعة نفسه و أسباب هذا الرفض و العداوة.

في هذه الحالة تبدأ هذه العدوى منتشرة بين أوساط السلطة الحاكمة و تعمل على تقوية الإنقسام في المجتمع و تسلك سياسات تمييزية بخطاب عنصري و طائفي و ذلك بتفضيل العشيرة و القبيلة على الوطن و استلام الجهلة و المارقين و الخارجين عن القانون مناصب سيادية في السلطة الحاكمة و من يختلف معهم يتم إقصائه إو تصفيته و هنا تتشكل سلوكيات الناس المنحرفة وفق نظام السلطة العنصرية و يصبح التمييز و العنصرية قابلة للتنفيذ عن طريق أدواتها من أبناء القبائل و العشائر و يصبحون وقودأ لحروب السلطة المخفية التي لم و لن تكون محايدة في جميع الأحوال بل تصبح جزءاً من هذا الحراك المشبوه و لكن في ثوب التخفي و الدعم بعيداً عن التدخل و تتحول إدارة الأزمة  و الإنقسام إلى مصلحة خاصة يتحكم فيها المتنفذون في السلطة و يتحول المجتمع إلى شبكات مغلقة من العصابات و قطاع الطرق و تكون قراراتها إنتقائية و يتم تغذية هذه السلوكيات داخل السلطة الحاكمة.

ما يحصل اليوم في محافظة الحسكة من تحريض طائفي و مجتمعي ضد الآخرين هو سلوك ليس ببعيد عن السلطة الحاكمة و كل فعل أو خطاب طائفي و عنصري تكتبه السلطة و يتلوها الجهلاء و أصحاب المصالح الشخصية  من عشائر و قبائل نصبت نفسها زوراً و بهتاناً حامية للقانون، و أصبحت السلطة في دمشق هي المحرك الأساسي لتعزيز هذه السلوكيات المنحرفة  و تقويض كل ما تم الإتفاق عليه و نقضها عن طريق هؤلاء المشبوهين تحت خيم العار و الإنقسام و التحريض لأن المجتمع لا يحتاج إلى كراهية أكثر مما هي موجودة و لا نحتاج إلى خطاب الجهلاء لكي ينفذها العقلاء و لكن لا بد من قليل من الإنصاف و العدالة.

تتسلل الكراهية مع مرور الوقت إلى أعماق المجتمع ومن ثم تغيب قدرة الإنسان على التعاطف مع من يختلف معه أو من يلغي هويته و يصبح الإنقسام شكلاً طبيعياً في المجتمع نتيجة سلوكيات المتعصبين و الجهلاء و يصبح الطرف الآخر غريباً و يتحول إلى عدو و تنتفي الثقة ما بين أفراد المجتمع تماماً كما يحصل اليوم في سوريا حيث تحولت السياسات من نقاش إلى هوية و أصبحت المواقف تبنى على المواقف الموروثة و السارق و اللص و الحرامي و الناهب و السالب يستشهد بمواقف موروثة لا تنتمي إلى التاريخ و لا إلى الجغرافيا لأن المواقف أصبحت متنقلة شفوياً بدون الرجوع إلى وقائع التاريخ فمثلاً الشعب الكردي موجود على أرضه التاريخية منذ آلاف السنين و بموقف شفوي من جاهل يتم إلغاء تاريخ الشعب الكردي و يتم تداوله فيما بينهم و يصدقون كذبتهم و من هنا يبدأ الكردي من إنسان يفكر إلى إنسان يدافع عن نفسه و إنتمائه أمام هذا الخطاب الجاهلي  و هنا سوف تتدخل السلطة في هذا المناخ الممزق لتجد بيئة لا تحتاج إلى صناعة الإنقسام فيه بل إلى التفنن في كيفية إدارة هذا الصراع و الإنقسام الذي حصل و سوف يتم بيع الشعارات الوطنية و لكنه في نفس الوقت يعمل عكس الذي يتبناه.

نتمنى الخير لبلادنا و أن تكون السلطة  راعية للوطن و مصالح المواطنين بجميع ألوانهم و أطيافهم و أن تعمل على تحقيق المساواة و العدل و العمل على تقوية مؤسسات الدولة لما فيه خير الناس و المواطنين.

السلك التربوي- المانيا

26.07.2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…

د. محمود عباس كيف كانت ستبدو إيران اليوم لو لم تحكمها ولاية الفقيه؟ اقتصاد بتريليونات الدولارات، قوة طاقة عالمية، ومجتمع كان يمكن أن يكون بين الأكثر تقدمًا ورفاهًا في آسيا السؤال الأكثر إيلامًا في التجربة الإيرانية ليس، ماذا خسرت إيران منذ عام 1979؟ بل، ماذا كان يمكن أن تصبح؟ فالخسارة لا تُقاس بما انهار وحده، وإنما أيضًا بما…

خالد حسو* حقيقةٌ كنت أشعر بها منذ الأزل، لكنني مع مرور الزمن وتراكم التجارب، ازددتُ يقينًا بها: إنّ الشخص الذي يقف على الحياد دائمًا، بينما تكون الحقيقة واضحة والظلم قائمًا، قد لا يكون محايدًا كما يبدو، بل قد يكون في كثير من الأحيان عدوًّا خفيًّا. فالحياد أمام الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة، والصمت أمام الظلم ليس موقفًا محايدًا؛ لأنّ الوقوف…