« البيشمركة » ليست القاعدة ولا جيش المهدي

  عريب الرنتاوي

لن يستطيع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، أن يتعامل مع قوات “البيشمركة” كما تعامل من قبل، مع المليشات الشيعية وتحديدا ميليشيا جيش المهدي، أو مع القاعدة والمنظمات الأصولية والمليشيات السنية المتطرفة، وسينتهي التوتر الحاصل حاليا بين الجيش العراقي و”البيشمركة” في قضاء خانقين وعلى ضفتي “الخط الأزرق” بين شمال العراق و”بقيته”، إلى تسوية سياسية تقوم على الاحتواء بدل الإقصاء.
مثل هذا التقدير يستند إلى جملة عوامل أهمها:
أولا: أن “البيشمركة” عدّت قوات نظامية وفقا للتفاهمات الأولى التي توصلت إليه الكيانات الرئيسة في “عراق ما بعد صدام حسين”، قبل أن يكون الجيش العراقي الجديد قد نشأ، وحين كان الجيش القديم نهبا للبطالة وقرارات بريمر والمليشيات والإيديولوجيات والعصابات المختلفة، وهذه وضعية “قانونية” لم تحظ بها أي من المليشيات، بمن فيها أقربها للحكم ومؤسساته كقوات بدر على سبيل المثال.
ثانيا: في حروب المالكي مع المليشيات السنّية والشيعية، حظي الرجل بدعم مطلق من القوات الأمريكية، فهذه المليشيات على اختلاف مشاربها وخلفياتها ومنابتها، ناصبت الولايات المتحدة العداء، وقاومت بقدر متفاوت الوجود الأمريكي العسكري في العراق، وانتهجت سياسية تقوم على إشاعة الفوضى وتعميمها وإدامتها، لأن منطق المليشيات هو نقيض منطق الدولة بالتعريف…أما في الحالة الكردية، فإن البيشمركة حليف موثوق للولايات المتحدة، سياسيا وميدانيا، وهي قوات تقع في منزلة بين منزلتين، لا هي مليشيا سائبة ولا هي قوات نظامية مائة بالمائة، وأن كانت في هياكلها وتنظيماتها وتسليحها وتدريبها أقرب ما تكون للجيش النظامي منها إلى المليشيا الشعبية.
ثالثا: أن الاشتباك مع البيشمركة، ليس كالاشتباك مع أي مليشيا أخرى، فهي قوات في عددها وعتادها عصية على “التصفية السريعة”، وهي مدعومة بالتفاف أكراد العراق وجواره، وتحظى بثقتهم وأحترامهم وتعاطفهم، وهي فوق هذا وذاك، متمرسة في القتال المديد والمرير مع الجيش العراقي على امتداد سنوات وعقود عديدة.
لكل هذه الأسباب، لا أرى حسما عسكريا مع “البيشمركة” في خانقين يشبه مع حدث في الأنبار أو في البصرة ومدينة الصدر، والمعالجة للخلاف العربي – الكردي – التركماني في خانقين وجوارها، أو للتوتر القائم بين الجيش العراقي النظامي وقوات البيشمركة النظامية، لن تكون بغير الحوار والدبلوماسية، وإلا غرق العراق من جديد، في فصل من فصول حروبه الأهلية المتنقلة.
للتوتر والصدام القائمين حاليا، أسباب عدة، منها ما يعود للخلافات على “ترسيم الحدود” بين إقليم كردستان وبقية المناطق والمحافظات العراقية، ومنها ما يعود أيضا للخلاف على توزيع السلطة والثروة والنفط، ومنها أيضا ما هو عائد للتباين في النظر لمستقبل وطبيعة العلاقة ما بين العراق وكل من إيران والولايات المتحدة، وهو التباين الذي تبدى بشكل ظاهر في الأيام الأخيرة، حين نقل المالكي الملف التفاوضي مع واشنطن، من عهدة وزارة الخارجية العراقية إلى عهدة رئاسة الحكومة، وأحل موفق الربيعي محل هوشيار زيباري في إدارة هذا الشأن.
نحن إذن أمام خلاف مركب ومتعدد الطبقات، وينذر بتبدل وتغير في طبيعة التحالفات والائتلافات، ويفتح الباب لإطلالة “السيناريو الأسوأ”، الأمر الذي يملي تحلي قادة الحزبين الكرديين الرئيسين بشيء من المرونة، خصوصا الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرازاني، وهي مرونة مطلوبة أيضا من الحكومة المركزية في بغداد، من دون أن تفرط بقدرتها على الحسم والحزم، إذ لولا هذه القدرة، لما تحسن الوضع الأمني في العراق، ولما تراجعت بصورة مذهلة، سطوة العصابات والمليشيات.
01 – 09 – 2008

مركز القدس للدراسات السياسية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…