الرؤى الموتورة لقضايا ساخنة

عمر كوجري

    شكَّلت مقالة «وساطة برسم الاستثمار» للكاتب محمد العبدالله المنشورة في صحيفة «قاسيون» العدد 365 تموز 2008 التي تصدرها اللجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين، لغطاً كبيراً لدى العديد مِمَّن قرؤوها، وتفاجأ القراء بنشر المادة غير المحكمة خصوصاً أنها نأت عن قواعد حرية النشر، وقول الرأي الآخر، لأنها كانت متشنجة وغير مبنية على أسس المنطق والمحاججة، ولم تراعِ مشاعر طيف واسع من محازبي «تيار قاسيون» ناهيك عن أصدقائه الكثر من الكرد، والذين استشفّوا منها الكلمة المسؤولة، والموضوعية والرزانة، والجرأة في طرح القضايا والمواضيع الساخنة التي تهم المواطنين السوريين بكل أطيافهم وأثنياتهم، فحازت على احترامهم باعتبارها منبراً للشارع السوري ومُعبِّراً عن نبضه.
   ورغم أن المقالة لا تعكس بشكل مباشر رأي وسياسة «تيار قاسيون» فهي مُوقَّعة تحت اسم كاتبها، إلا أن هذا لا يشفع نشرها لركاكتها واقترابها من المزاج الشخصي، وميلها لتصفية حسابات قديمة لا تخدم الوحدة الوطنية التي ننشدها جميعاً في بلدنا سورية.

   أُسُّ المقالة مرتكز على المصافحة التي تمَّتْ بين إيهود باراك رئيس حزب العمل الإسرائيلي، والرئيس العراقي جلال الطالباني بـ «ترتيب مسبق من محمود عباس»، وقد لا تعبِّر تلك المصافحة عن مشاعر العديد من الكرد لحساسية الموقف تجاه إخوتهم العرب، وهم معنيون بتلك الحساسية، لكن مكتب الرئاسة في العراق أكَّدَ في بيانه أن رئيسَه مثَّل حزبه- الاتحاد الوطني الكردستاني- في مؤتمر الاشتراكية الدولية في أثينا 30-6-2008 لا العراق.
  بطبيعة الحال، هذه المصافحات لا تشي بأهمية كبرى عادة، ولا تقلب الموازين لصالح هذا أو ذاك، تحصل كثيراً في تلك المحافل والشواهد والأمثلة القريبة والبعيدة كثيرة، وهناك زعماء عرب كثر لم يكتفوا بالمصافحات، بل تربطهم بالكيان الإسرائيلي اتفاقات ومعاهدات سلام، وكذلك سفارات وأعلام ترفرف في سماءات بعض العواصم العربية.


   فقد خرجت المقالة من إطار المصافحة إلى نبش أوراق الماضي، فما الحكمة الآن من الاستشهاد بكتاب «الموساد في العراق» لشلومو نكديمون، وارتباط الحركة الكردية «الانفصالية المسلحة» بالمخابرات الإسرائيلية (موساد)؟؟ وما المعطيات العيانية التي يملكها السيد العبدالله حتى يتحف قُرَّاءَه بها، ويوافق شلومو على أن كاميران علي بدرخان كان يستلم راتباً شهرياً من الملحق العسكري الإسرائيلي في باريس في أواسط القرن الماضي؟؟  
    خلط كاتبنا الحابل بالنابل، فأسقط اتهامه بهتاناً وزوراً على الحركة القومية التحررية في كردستان العراق، ولا نعرف من أين استقى معلوماته الخطيرة عنها واصفاً إياها بالانفصالية وعلاقاتها مع الكيان الإسرائيلي، «فهذه الحكومة – ويعني حكومة كردستان العراق- قد فتحت أراضيها لنشاط الآلاف من عناصر الموساد الذين يتحركون تحت سمع وبصر« البيشمركة» تحت تسميات تجارية وخدماتية متعددة إضافة إلى التنسيق الدائم بين الطرفين في مجالات التدريب والدعم اللوجستي مما يعني تحويل هذه البقعة الغالية من الوطن العراقي إلى مركز للتآمر على شعب العراق ودول الجوار».
  جزيل الشكر له الآن عرف أن تلك البقعة غالية، فعندما مسح صدام أربعة آلاف وخمسمئة قرية كردية من الوجود، وحرق الغابات، وبالبيتون المسلح أغلق الينابيع، وحوَّل تلك المنطقة من « سويسرا الشرق» إلى أرض خراب، و«أهدى» شعبه الكردي قنابل كيميائية محرمة دولياً أطفأت في دقائق معدودة أرواح أكثر من خمسة آلاف كردي في مجزرة حلبجة عام 1988 التي ستظل وصمة عار على جبين كل الطغاة والأفاقين..

و..و..

أين كان كاتبنا العبدالله؟؟ هل أصدر ولو بياناً يندد بالجرائم البشعة التي ارتكبها صدام بحق عموم الشعب العراقي، وعلى وجه الخصوص بالكرد!!!
   اتهامُ كاتبنا مبنيٌ على باطل، وما يبنى على باطل لا يؤخذ به، فالرجل غير متابع للأحداث، إذ كيف لم يسمع بتصريحات كثيرة لرئيس إقليم كردستان العراق السيد مسعود البارزاني بهذا الخصوص؟؟ الذي صرح للإعلام العربي تحديداً بأن الحدود مفتوحة أمام كل المشككين، وليدلونا على آلاف الاستخبارات الإسرائيلية التي تصول، وتجول في كردستان، وعندما يزور المثقفون العرب كردستان، ويشاركون في الاحتفاليات والمهرجانات التي تكرِّم أعلام العرب في تلك المنطقة « الغالية»، ولا يتركون أية منطقة هناك إلا ويباركونها بزياراتهم، لماذا لم يقولوا: رأينا جحافل الموساد تسرح وتمرح في كردستان؟؟ ولا يكتبون عندما يعودون إلى بلدانهم ومؤسساتهم الإعلامية إلا عن الديمقراطية- المثال- هناك؟؟ هل كلهم عملاء لحكومة إقليم كردستان؟؟ كيف يقنعنا العبدالله بالعلاقات الحميمة بين الكرد والاستخبارات الإسرائيلية، والعلاقات العربية- الرسمية والشعبية – قريبة من الجيدة مع حكومة كردستان، ولا يخلو شهر من زيارات أرفع المسؤولين الكرد إلى هنا وهناك!!
وتحت أية يافطة تتهافت الشركات العربية للاستثمار والفعاليات السياسية والمدنية للتشاور في الشأن العراقي مع حكومة إقليم كردستان العراق« العميلة للموساد» ؟؟
   نعم، وبجرة قلم يقضي كاتبنا على كل الرصيد الوطني والتقدمي للحركة التحررية الكردية وقادتها التاريخيين، ويتناسى أن القائد المرحوم مصطفى البارزاني كان مع القضايا العربية الساخنة – الفلسطينية خاصة- حتى أنه في أوج قتاله مع السلطات العراقية، أوقف القتال من جانب واحد معها إبان حرب تشرين عام 1973 ليتيحَ الفرصةَ للجيش العراقي ليشارك في تلك الحرب، ويا ليته شارك «ماكو أوامر..

ماكو سلاح» كانت ذريعة قادة الجيش العراقي آنذاك.
  ومن قال للعبدالله إن حكومة كردستان العراق انفصالية؟؟ وقد واتتْها ظروف دولية من ذهب منذ عام 1991، ولم تفكر يوماً بالانفصال عن الوطن العراقي في أشد أزمات الحكومات العراقية المتعاقبة، لا بل هي اليوم تشكل صمَّامَ الأمان لوحدة العراق لا الانقسام عنه، فالكرد وقادتهم «الانفصاليون» جنَّبوا العراق ويلاتِ حرب أهلية كان أكثر المتفائلين يقرون بأن العراق ذاهب إلى جحيم الاقتتال الداخلي، وهذا لم يتم رغم كل الإرهاصات التي تحدث حالياً، وهي إرهاصات مؤقتة قابلة للحل بعد رحيل الاحتلال الأمريكي عن العراق، وكان للكرد الدور الأساسي في هذا المنحى.


  يضع كاتبنا المنصف كلمة البيشمركة بين هلالين للتشفي منهم، متناسياً أن البيشمركة مثل كل الثوار في العالم كانوا، ومازالوا يدافعون عن حق شعبهم في حياة كريمة، ولم يكونوا يوماً مرتزقة وميليشيات تحت الطلب هدفها إزهاق أرواح الآخرين دون وجه حق.


   ويبدو أن العبدالله منبهر جداً بتصريحات «جوهر الهركي» أمين عام حزب الحرية والعدالة
الكردستاني، ومن حقه ذلك فهو لا يعرف أن الرجل كان من المقرَّبين لصدام حسين أيام عِزِّه،   كان مستشاراً مقرَّباً منه، وساهم في قتل الكثير من أبناء شعبه الكردي مقابل حفنة من الدنانير ففي بيان حزبه التأسيسي ناصب العداء للحزبين الكرديين في كردستان العراق، وأعلن رفضه القاطع للفيدرالية التي أقرها البرلمان الكردستاني الذي يمثل إرادة عموم شعب كردستان، والذي صادق عليه البرلمان العراقي بمحض إرادته باعتبار الفيدرالية مخرجاً للأزمات الكثيرة التي تعصف بالعراق، وحلاً يرضي الجميع، كما قرَّر معاداته الصريحة لكل طموحات شعبه، ولم ينسَ أن يبارك لعزت الدوري المتخفي منصبه الجديد في زعامة حزب البعث العراقي.

فالهركي -والحالة هذه- ليس حجة في الوطنية العراقية، ولا مثالاً يحتذى حتى يسيلَ لعابُ العبدالله بتصريحاته.

   ولعل قاسيون شعرت أن وساطة برسم الاستثمار، لم تكن مثمرة، فكانت مقالة الأستاذ ماهر حجار عضو لجنة وحدة الشيوعيين السوريين، والمعنونة بـ عرب وأكراد ….

والمنشورة في العدد 366 كردٍّ هادئ على بعض النقاط التي خلقت إشكالية واضحة بين الطيف القريب من تيار قاسيون، ورغم أن بعض النقاط قد لامست الحقيقة من وجهة نظر ماركسية وشيوعية، والتحليل جاء متوازناً ودقيقاً، إلا أن بعضها احتاجت لحلول أكثر دقة..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

في لحظة تاريخية دقيقة تمر بها القضية الكوردية في روجافا/كردستان سوريا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد التشتت خياراً، ولم يعد الانقسام تفصيلاً يمكن تجاوزه. إن ما يواجهه شعبنا اليوم يتطلب مستوى غير مسبوق من الوعي والمسؤولية الوطنية. لقد أثبتت التجارب أن غياب الرؤية الموحدة وتعدد المرجعيات السياسية يضعف الموقف الكوردي، ويفتح الباب أمام التدخلات…

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…