حول زيارة رئيس الجمهورية لفرنسا

  افتتاحية صوت الأكراد *

بعد التصعيد الشديد في المنطقة والذي أوصل الأمور إلى حافة حرب داخلية في لبنان،وتصعيد إقليمي متزايد بين كل من سوريا وإسرائيل من جهة وسوريا وبعض الدول الإقليمية من جهة أخرى ، وكذلك بين سوريا وبعض الدول الأوربية وخاصة بين فرنسا وسوريا حيث شهدت العلاقات بين البلدين الكثير من المد والجزر، ثم جاءت أخيراً دعوة فرنسا لسوريا للمشاركة في مؤتمر الاتحاد من أجل المتوسط من جهة وحضور ذكرى العيد الوطني لجمهورية فرنسا من جهة أخرى .

 

لقد جاءت دعوة السيد ساركوزي للسيد الرئيس بشار الأسد بحضور العيد الوطني كتتويج لعدد من الانفراجات النسبية الحاصلة في المنطقة والتي كانت سوريا طرفاً أساسياً فيها .

فقد شهدت الساحة اللبنانية رغم حالة التوتر وعدم الاستقرار انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية كتطبيق لاتفاقية الدوحة والتي تزامنت مع المفاوضات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل برعاية تركية والتي وصلت حتى الآن إلى ثلاث جولات والتي وصفت من قبل الجميع بأن الأجواء إيجابية والتي ربما ستحتضنها فرنسا مستقبلاً ، ولكن هل يمكن القول إن هذه الانفراجات ستتطور إلى تطبيع كامل للأوضاع في المنطقة وحل للخلافات بالطرق الدبلوماسية وبالتالي تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة ؟هنا لا نتحدث عن الأوضاع الداخلية وحالة شعوب المنطقة التي تعاني من الفقر والجوع وانتشار البطالة والافتقار إلى أبسط المرتكزات الديمقراطية والانتهاكات المستمرة والمتصاعدة لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب والأقليات المختلفة والتي تختلف أجندتها في معظم المسارات عن أجندة حكوماتها ، ولكن لنتحدث فقط عن احتمال تطور الأحداث على المسارات المختلفة من قبل حكومات المنطقة ، فحتى الآن هناك العديد من الملفات والقضايا الشائكة والتي لم تجد طريقها إلى الحل منها :
1- الصراع الفلسطيني الإسرائيلي : ولا يبدو في الأفق ما يشير إلى إمكانية حدوث تقدم حقيقي على هذا المسار طالما هناك انقسام فلسطيني – فلسطيني وطالما هناك تدخل كبير وعميق من قبل العديد من الدول الإقليمية للتأثير على سير المفاوضات والعلاقات بما يخدم أجنداتها ويبقى المسار الفلسطيني الإسرائيلي معرضاً للمزيد من التوتر والتجاذب أو على الأقل بدون حل في الوقت الراهن ريثما تحصل تطورات إقليمية مهمة .
2- المسار السوري الإسرائيلي : إن قضية استعادة الجولان كاملة هي قضية جوهرية كونها تتعلق بالسيادة الوطنية أولاً وتشكل مورداً هاماً للمياه ثانياً ، اما بالنسبة لإسرائيل فإن التخلي عن الجولان لن يكون بدون مقابل ولن ترضى بمجرد التطبيع مع سوريا بل ستذهب إلى ابعد من ذلك وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات السورية الإيرانية والتي ستكون في صلب المفاوضات ، وستكون أحد الشروط والمساعي من الجانب الإسرائيلي هو فك الارتباط السوري الإيراني أو زعزعة التحالف بينهم ، كما أن هناك مسعى حثيثاً من أوربا ممثلة بفرنسا من الجمع بين سوريا وإسرائيل في إطار منظمة إقليمية واحدة ( الاتحاد من أجل المتوسط ) والذي يعتير شكلاً من اشكال العلاقات غير المباشرة .
3- الملف النووي الإيراني : والذي ييدو أنه بات يشكل الهاجس الأكبر لدى المجتمع الدولي خاصة أمريكا وأوربا وكذلك العديد من الدول العربية ، فالعديد من الدول الأوربية ترى في حصول إيران على تكنولوجيا نووية مترافقة مع تطوير الصواريخ البعيدة المدى يشكل خطراً مباشراً على أمنها وستصبح العديد من عواصمها وبلدانها في مرمى الصواريخ الإيرانية .
أما الدول العربية وإسرائيل فترى في ذلك أيضاً خطراً مباشراً على أمنها ، اما أمريكا فترى في ذلك أيضاً خطراً على مصالحها في المنطقة وعلى حلفائها الاستراتيجيين ، لذلك فإن الخطر المفترض من إيران وتقاطع المصالح شجع تلك الأطراف ( أمريكا – الغرب – إسرائيل – بعض الدول العربية ) للعمل معاً على مواجهة إيران لمنعها من تطوير التكنولوجيا النووية وتخصيب اليورانيوم ، لذلك تتبع هذه الدول حتى الآن شتى الوسائل الدبلوماسية والاقتصادية عبر العديد من العقوبات لثني إيران عن المضي قدماً في برنامجها النووي ، وبات توزيع الأدوار أمراً ضرورياً للضغط على إيران وإضعافها أو عزلها تمهيداً لدفعها إلى التخلي عن برنامجها النووي أو مواجهة المجتمع الدولي بوسائل وطرق مختلفة ومن بينها الخيار العسكري الذي تلوح به واشنطن وتل أبيب ، ونعتقد أن المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا برعاية تركية ودعوة ساركوزي للرئيس بشار الأسد والطلب منه بالتوسط لدى إيران للتخلي عن برنامجها النووي مقابل حزمة من المزايا الدولية ، إن كل  ذلك يرمي إلى زعزعة التحالف السوري الإيراني عن طريق إقناع سوريا بان مصلحتها مع أمريكا والغرب وليس مع إيران , وما استمرار أمريكا بالضغط الإعلامي على سوريا والمترافق مع الدبلوماسية المرنة من قبل فرنسا ( رئيسة الاتحاد الأوربي حالياً ) إلا محاولة حثيثة من اجل حمل سوريا على فك ارتباطها مع إيران , فإذا نجحت هذه الدبلوماسية ( الوسيلة ) مع سوريا ( أي فك ارتباطها مع إيران ) فإنها ستحقق انفراجات مهمة في علاقاتها مع الغرب وأمريكا وقد تحصل على حوافز عديدة ومنها استعادة الجولان وبالتالي ستضيق الخناق على إيران ويصبح معالجة وضع ملفها النووي أكثر سهولة .

أما إذا ما استمرت سوريا في تعاونها  وتعاملها الوثيق مع إيران ورفضت العروض الأميركية الأوربية فإنها هي الأخرى ستتعرض لضغوط متزايدة من قبل المجتمع الدولي إلى درجة فرض عقوبات دبلوماسية وحتى اقتصادية عليها ونعتقد إن دعوة ساركوزي لسوريا تأتي في هذا الإطار وهو أن تقوم سوريا بإقناع إيران بالتخلي عن ملفها النووي, أو إقناع سوريا بالتخلي عن تحالفها مع إيران وإلا فإن العلاقات السورية الأوربية والأمريكية قد تشهد المزيد من التوتر والتصعيد .
———–
* الجريدة المركزية للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ( البارتي )  العدد (404) تموز 2008

لقراءة مواد العدد انقر هنا  denge_kurd404

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…