المادة 24 صناعة تركية بتنسيق مع الحزب الإسلامي العراقي

عبدالباقي اليوسف

   ماجرى يوم 23 من هذا الشهر في البرلمان العراقي, يظهر النوايا الدفينة لبعض الأطراف العراقية داخل العملية السياسية, التي لاتقل حدا عن سياسات النظام البعثي المنهار, وان ممارساتهم سوف لن تكون أقل شأناً عن ممارسات نظام صدام إذا ماتوافرت الظروف والإمكانيات.

لقد جاءت محاولتهم هذه من خلال ممارسات غير دستورية ومتناقضة مع أسس العقد الوطني بين المكونات العراقية الأساسية, والقائم على التوافق لحفاظ على المصالح العليا للبلاد.
   هذه النوايا الدفينة حيال الكرد كشفت خلال الإستعدادات للإنتخابات وعند مناقشة قانون إنتخابات مجالس المحافطات والأقضية, عندما طلب رئيس المجلس الوطني العراقي محمود المشهداني تحويل الجلسة إلى جلسة سرية, اي يجري التصويت بشكل سري, وهذا متناقض كلياً مع المادة 53 من الدستور العراقي, خاصة وأن هذه المادة (المادة 24) على أهمية بالغة لأنها تمس بشكل مباشر مصالح ومستقبل مكون رئيسي من مكونات الشعب العراقي.

الهاشمي مع أردغان يشربون نخب المادة 24:

   عندما أجرى محمود المشهداني التصويت على المادة 24 من قانون الإنتخابات, كان شريكه في جبهة التوافق العراقية السيد طارق الهاشمي, رئيس الحزب الإسلامي العراقي ونائب رئيس الجمهورية, يقوم بزيارة إلى تركيا.

فهل كما يقال أنه كان ذاهباً للتباحث مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عن كيفية تنفيذ الإتفاقية السياسية بين العراق وتركيا (هذه الإتفاقية التي تعطي لتركيا حق التدخل في الشؤون الداخلية العراقية كونها حمالة الأوجه)؟!! أم أنه كان ذاهباً بما هو أهم ألا وهو التنسيق فيما بينهم على مابعد التصويت على تلك المادة؟!!, لهذا فأن موقفه من المادة جاء متأخراً ولم يكن بمستوى شركائه في مجلس الرئاسة.
   ولو سلمنا بما قيل, فبماذا تُفسر مشاركة نوابه من الحزب الإسلامي في مساندة موقف محمود المشهداني في الوقت الذي يشارك فيه الحزب الإسلامي مع الحزبين الكرديين الرئيسيين الإتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني بإتفاقية إستراتيجية؟!!, عمل بموجبها الحزبان الكرديان لتوفير الأجواء والمساهمة الفاعلة في إقناع الإئتلاف العراقي الموحد لتلبية مطالب الحزب الإسلامي, كي يتسنى له العودة إلى الحكومة, وبموقفه الأخير هذا يكون الحزب الإسلامي قد خرق الإتفاقية الإستراتيجية, عندما صوت على القانون بمعزل عن القوى الكردية الأخرى لابل ضدها.

المادة 24 تعلن الحرب على الكرد:

   جاء في الفقرة الثالثة من المادة 24 من قانون إنتخابات مجالس المحافظات ” يعهد بالملف الأمني في محافظة كركوك إلى وحدات عسكرية مستقدمة من جنوب ووسط العراق بدلاً من الوحدات العسكرية العاملة حالياً, وخلال فترة عمل اللجنة المشتركة, لضمان حريتها ومهنيتها مع التأكيد على خروج القوى الأمنية المرتبطة بالأحزاب السياسية”.
   هذه المادة من القانون هو تناقض فاضح مع الدستور العراقي,لأنها تحمل طابعاً امنيا وعسكرياًً قبل أن يكون ذو طابع قانوني, فهي تدعو إلى إستخدام القوة العسكرية في تسوية أوضاع كركوك, وإرجاعها إلى ماكانت عليها في عهد صدام حسين, خاصة بدعوة الحكومة إلى نقل القوات من الوسط والجنوب, أي القوات ذات الطابع العربي الصرف, وإخلاء محافظة كركوك من القوات الحالية ذات المهنية العالية والمتوازنة والبعيدة عن النزعة القومية أو الطائفية.
    كما أن المادة نفسها وفي مكان أخر تدعو الجامعة العربية إلى التدخل في الشؤون الخلافية في العراق مع العلم أن الجامعة العربية كانت قد اصبحت طرفاً في الخلاف, عند وقوفها إلى جانب النظام العراقي البائد ضد الشهب العراقي, وساندت فيما بعد أيتام النظام المقبور في ممارسة الإرهاب ضد الشعب العراقي بإسم المقاومة.

كما أن الجامعة العربية فيما بعد لم تستطع أن تجتاز الإمتحان العراقي الحالي عندما أصبحت طرفاً في الخلاف بمساندة العرب السنة ضد العرب الشيعة.

   كما أن مبادئ الجامعة العربية لاتقر بحق الشعوب التي تتعايش مع الشعوب العربية في هذه المنطقة الجغرافية, لابل ساندت على الدوام الأنظمة العربية الديكتاتورية في قمع تلك الشعوب والأقليات القومية, أين كانت الجامعة العربية عندما ضُرب شعب كردستان بالسلاح الكيميائي من قبل إحدى مكونات هذه الجامعة؟!!, أين كانت من حملة الأنفال الإرهابية؟!!, ألم تكن مساندة لنظام صدام؟َ!!.
فعندما لايوثق بحياديتها تجاه سنة وشيعة العرب, فكيف يمكن الوثوق بحيادتها في قضية فيه طرف غير عربي؟!!.

أهكذا يُرد الجميل الكردي؟!

    المتتبع لوضع العراق لابد أن يرى أن إقليم كردستان منذ عام 1991 يتمتع بنوع من الإستقلالية عن الحكومة المركزية, كما أن معظم المعارضة العراقية أتخذت في وقت من الأوقات من كردستان ملجأً لها هرباً من بطش النظام العراقي البائد, كما أن الحركة الكردية لم تبخل في تقديم العون لها, وقد دخلوا في تحالفات معاً لتحرير الشعب العراقي من النظام الديكتاتوري, وفي حينها وقعوا العديد من الإتفاقيات لتحرير العراق من الديكتاتورية وإنشاء نظام ديمقراطي تعددي وتوافقي, يتمتع الشعب الكردي إلى جانب الشعب العربي بكامل الحقوق, وساهم إقليم كردستان بفاعلية في تحرير العراق, وقبلوا الدخول في العملية السياسية بموجب تفاهم مع القوى السياسية الأخرى لبناء عراق تعددي فيدرالي, وإيجاد حل لموضوع كركوك ومناطق النزاع الأخرى بشكل توافقي عادل.

وقد مرت بعدد من المراحل, ووجدت صيغتها الأخيرة في المادة 140 من الدستور العراقي.
    كان دائماً الموقف الكردي متميزاً حيال ماواجهه العراق وبشكل خاص بعد سقوط النظام, ولولا الموقف الكردي والقيادة الكردية بنزع فتيلة الحرب, لكنا نشهد اليوم حرب أهلية طاحنة في العراق بين الشيعة والسنة, وهذا مايشهد له شرفاء العراق.
ما أن قارب هذا الوضع على الإنتهاء وتراجعت العمليات الإرهابية, حمدنا الله ليتسنى للقيادات العراقية التفرغ لبرامج إعادة بناء العراق الجديد ليصبح أنموذجاً لبلدان الشرق الأوسط بديمقراطيته والتعايش السلمي بين شعوبه وأقلياته القومية والدينية والمذهبية, أنموذجاً لحرية الأفراد والجماعات, وأنموذجاً لإحترام وصيانة حقوق الإنسان!! لكن أن يعاودوا الغدر بالشعب الكردي والقيادات الكردية كرد للجميل!! هذا مالايقبله العقل السليم والنفوس الطاهرة!!

    التجربة الكردية مع معظم القيادات العربية في العراق منذ الإستقلال دائماً كانت مريرة.

عند الضعف دائماً كانوا يقرون بالحقوق الكردية, ويتعهدون على تنفيذها وما أن يتحسن الوضع تجدهم ينقلبون على العهود والمواثيق, هذا كان مع الإتفاقيات قبل بيان 11 آذار ومع بيان 11 آذار والأن مع المادة الدستورية 140.
القيادات الكردية اليوم تلام من قبل الشعب الكردي بضعف الإستفادة من التجربة التاريخية مع القيادات العراقية, والتضحية بأكثر من اللازم بمصالح شعبها.

لذا فهي مطالبة اليوم بالتحرك السريع حتى إذا كلف الأمر الإنسحاب من الحكومة الحالية, ومطالبة بالتمسك بالمادة  نصاً 140 نصاً وروحاً, ودعوة الجانب الأمريكي والبريطاني إلى الوفاء بتعهداتهم تجاه تنفيذ هذه المادة, خاصة وأن إقتراحات دي مستورا الأخيرة لاتنسجم مع روح المادة 140 وهي منحازة إلى الجانب العربي نتيجة التدخلات الخارجية من بعض البلدان العربية الغني ودول إقليمية أخرى.

27/7/2008

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني   المصيبة ليست في أن يخسر شخصٌ في انتخابات مؤتمر… فهذه سنة العمل الديمقراطي، يوم لك ويوم عليك. المصيبة الحقيقية تبدأ حين تتحول الخسارة إلى مشروع تكتل، وتصبح النتائج الشرعية ذريعة لإشعال الفوضى. فجأة، وبعد إعلان النتائج، نرى من التفّ حوله؟ أشخاص تحيط بهم عشرات علامات الاستفهام تنظيمياً. من لم يلتزموا باجتماعاتهم الدورية. من غابوا عن ساحات العمل…

يونس حمد – أوسلو   خلال الحرب الهمجية التي اندلعت عام 2014 بين تنظيم داعش ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها، كان المسلمون السنة، من اليمن إلى سوريا، الضحايا الرئيسيين. في الشرق، تضرر العرب السنة في العراق، وخاصة في المناطق الغربية، بشدة من الهجمات، وسقطت مناطقهم تحت سيطرة التنظيم المسلح المعروف باسم داعش. نزح بعض العرب في هذه المناطق من ديارهم، وباتوا…

عاصم أمين تُعدّ الديمقراطية إحدى أكثر المفاهيم السياسية إثارةً للجدل في التاريخ الإنساني، فهي ليست مجرد آلية لانتخاب الحكام، بل رؤية فلسفية للإنسان والمجتمع والسلطة. نشأت فكرتها الأولى في أثينا اليونانية القديمة، حيث ارتبطت بفكرة مشاركة المواطنين الأحرار في اتخاذ القرار، لكنها تطورت عبر القرون لتصبح نظاماً معقداً يقوم على التعددية وادارة الاختلاف، وسيادة القانون، وحماية الحقوق الفردية. في مقابلها…

عنايت ديكو أولاً: كوردياً تعني هذه الزيارة، قبل أي شيء، أن الشعب الكوردي في أجزائه الأربعة، وعبر موجة المظاهرات العارمة التي كسحت الشوارع الأوروبية، قد عبّر بوضوح عن تأييده للحالة الراهنة في كوردستان سوريا، بما في ذلك الاتفاق الأخير بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية. وهي في العمق رسالة تفويض سياسي وشعبي مفادها أن المرحلة لم تعد مرحلة ارتجال أو…