مفاوضات «كسر عظم» بين أردوغان وجنرالات تركيا

هوشنك أوسي 

كشفت صحيفة «صباح» التركيَّة، عن مفاوضات بين رئيس الحكومة التركيَّة، وزعيم حزب العدالة والتنمية، رجب طيّب أردوغان وجنرالات المؤسَّسة العسكريَّة، في ما يتعلَّق بالحؤول دون حظر حزبه، حيث ستبدأ المحكمة الدستوريَّة العليا يوم الاثنين 28/7/2008 مداولاتها في الدعوى التي رفعها المدعي العام التركي عبد الرحمن يالتشينكايا بحقهَّ في آذار (مارس) الماضي، داعياً الى حظر عمل هذا الحزب، ومنع 71 من قيادييه من العمل السياسي لخمس سنوات، ومنهم الرئيس التركي عبدالله غُل، ورئيس الحكومة رجب طيّب أردوغان، وذلك، بتهمة تحول الحزب الحاكم، الى «بؤرة للنشاطات المعادية للعلمانيَّة» في تركيا.

وبحسب الصحافية نازلي إلجاك، التي كانت عضواً في حزب الرفاه الإسلامي التركي المنحلّ بزعامة نجم الدين أربكان، وهي، مقرَّبة جدَّاً من أوساط الحكومة التركيَّة الحاليَّة أيضاً، فإن أردوغان «يصرُّ على أن تتخذ المحكمة الدستوريَّة قرارها في حقِّ حزبه، قبل الثلاثين من شهر آب (أغسطس).

لأن شهر آب، هو شهر ترفيع وتعيين وإحالة ضبَّاط الجيش التركي على التقاعد.

حيث يُعقد مجلس الشورى العسكري جلسته سنويَّاً، في هذا الشهر، برئاسة رئيس الوزارء، للنظر في مسائل تعيين وترفيع جنرالات الجيش.

وفي هذه السنة، سيحال رئيس هيئة الأركان العامَّة ياشار بيوكآنط على التقاعد.

ومن المفترض أن يحلَّ محلَّه قائد القوَّات البريَّة الحالي، الجنرال إلكر باشبوغ.

وفضلاً عن المصادقة على تعيين قائد جديد لهيئة الأركان التركيَّة في هذه الجلسة، فأنه يتمَّ توزيع المهمات على جنرالات الجيش التركي من جديد.

وفي حال عدم توقيع أردوغان على قرارات مجلس الشورى العسكري قبل الثلاثين من آب (أغسطس)، يحال تلقائياً الجنرال إلكر باشبوغ وبعض الجنرالات الآخرين على التقاعد، لأن توقيع أردوغان، سيفعِّل تمديد خدمة باشــبوغ ســنتين أخــريين، كــي يتــوَّلى منصبه الجديد.
وربط أردوغان توقيعه على قرارات مجلس الشورى العسكري، بتوقيع رئيس المحكمة الدستوريَّة العليا في مسألة حظر أو عدم حظر حزبه.

واذا لم يتضح قرار المحكمة الدستورية حيال حزبه في شهر آب، فلن يصادق على قرارات مجلس الشورى العسكري ويدخل المؤسَّسة العسكريَّة في أزمة المناصب، وفوضى البيت العسكري.
وكي لا يحال باشبوغ وبقية الجنرالات على التقاعد، ويبقوا على رأس مناصبهم سنتين، ينبغي أن تسرع المحكمة الدستوريَّة في البتِّ في أمر حزب أردوغان، وهل سيتمُّ حلُّه أم لا؟ قبل نهاية شهر آب.

ولم يشترط أردوغان على قادة الجيش، ضبط موعد إصدار قرار الدستوريَّة قبل نهاية آب فحسب، بل «أن يكون القرار الصادر، هو ردُّ الدعوى المرفوعة في حقِّ حزبه»، أيضاً، بحسب صحيفة «صباح».

والكثير من المراقبين، القريبين من المفاوضات الجارية بين أردوغان والجنرالات، يشيرون إلى أنه للأسباب السالفة الذكر، وأسباب أخرى، فأن قرار المحكمة الدستوريَّة النهائي، سيصدر قبل نهاية آب، وسيكون لمصلحة بقاء حزب العدالة والتنمية على سدَّة الحكم، خلافاً لكلِّ التكهُّنات بزيادة احتمال حظر حزب العدالة والتنميَّة.

وعليه، سيسَّخن شهر آب أزمات تركيا أكثر، وسيوسِّع من مدى اتساعها، ليصل البلل إلى قبَّعات العسكر ونياشينهم، ويدخل البيت العسكري التركي في أزمة حقيقيَّة، إن لم يأتِ قرار المحكمة الدستوريَّة وفق مزاج أردوغان وما يشتهيه.
ويبدو أن أردوغان، يتقدَّم في حربه الداخليَّة على خصومه (الأتاتوركيين – العلمانيين)، ومن خلفهم العسكر.

فعلى الصعيد الإقليمي، يحاول أن يكون لتركيا دور اللاعب الاستراتيجي في القضايا الإقليميَّة، في ما يخصُّ ترتيب الوضع العراقي، بما ينسجم والأجندة التركيَّة في هذا البلد، خصوصاً، بعد الانسحاب الأميركي المرتقب من العراق، وتقويض التأثير الكردي في المعادلة العراقيَّة، وربط العراق باتفاقات أمنيَّة وعسكريَّة واقتصاديَّة استراتيجية مع تركيا.

كما نجح أردوغان في عقد اتفاقات وتفاهمات استراتيجية مع الجار الإيراني، خصوصاً في القضايا الأمنيَّة ومحاربة حزب العمال الكردستاني، إضافة إلى القضايا الاقتصاديَّة بين البلدين، ومحاولة أن تكون أنقرة نافذة طهران على واشنطن وتل أبيب.

كما نجح أردوغان، في تحويل جسر اسطنبول، الذي يربط الشطر الآسيوي بالأوروبي من المدينة، إلى جسر «الودّ والتفاهم” بين دمشق وتل أبيب.

وعليه، فقد حقق أردوغان ما لم يحققه أيّ رئيس حكومة لتركيا، في تاريخها، على الصعد كافة، محليَّاً وإقليميَّاً ودوليَّاً.
لا شكَّ في أن أردوغان، يجيد أدارة المعركة مع خصومه، خصوصاً العسكر، وها هو يشهر سلاحاً آخر في وجههم، قد يؤدي برهط من الجنرالات الفاعلين إلى التقاعد.

وعليه، ليس من المجازفة القول: إن أردوغان، أحكم حصاره على الجنرال إلكر باشبوغ ووضع قدميّ باشبوغ «في فردة حذاء واحدة»، على حدِّ تعبير المثل الكردي، ووضعه أمام خيارين: إمَّا أن يختار الذهاب إلى بيته، ويُدخل البيت العسكري في أزمة وإرباك خطيرين، أو يوعز هو الى المحكمة الدستوريَّة بالإبقاء على حكومة أردوغان في مكانها، وعدم حظر حزبه.

  الحياة  – 25/07/08

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…