غضب الله، وغضب النظام، وغضب الأحزاب، على شهر أذار

  أرشفين ميكائيل 

المشهد الجاف الأليم الكئيب التعيس شاهدته ولأول مرة في شهر أذار، عندما كنت هناك في سورية، منذ قرابة عشرة أعوام وأنا لم أشاهد الربيع في سورية وشاهدته ، وطني الحبيب، الجزيرة الغالية ، درباسية الأم حين وصلتها.

أستعدت للسفر وأنا في هولاندا، كنت أعد الأيام والشهورحتى أن يأتي أذارأو بالاحرى النوروز، عيد الشعب الأبي، عيد الحب والبهجة والأنتصار، عيد لقاء الأهل والأحبة، عيد السعادة لنا جميعاً، عيدالربيع، اليوم الجديد لنا ولتاريخنا، خاصة مرارة ومعاناة شعبنا الكوردي عبرالزمن والويلات حتى وقتنا الحالي.

حضرت للسفر في 16 أذار، وصلت هناك في نفس اليوم الى دمشــق ، مطار الرعب الدولي.
    سافرت من دمشق متجهاً الى الدرباسية بواسطة حافلة الركاب (ميديا تورز) ، قطعنا حوالي مسافة 10 ساعات ، من خلال سفري في البولمان كنت أنظر من النافذة الى حافات وجوانب الطرق الضيقة طرق الموت ، كان في البولمان التدخين ممنوع على الجميع وهذا شيء رائع لأني لا أحب الدخان ولا ادخن، البولمان مليء بالمسافرين وخلف مقعد السائق كانت هناك أمراة معها رضيع يصرخ ، نبهت عدة مرات للمرافق والسائق أنكم تدخنون لماذا ؟ وخاصة طفل رضيع خلف مقعدكم ،  ولم يرد على كلامي وكان السائق غشيم بالقيادة، يبدو أنه كان يتعلم القيادة أو الحلاقة على رؤوسنا، ثم سافرنا سفراً أضطرارياً معهم، كنت أفرح لكي أرى لون الربيع هناك وأحسب نفسي سوف أنظر ألى الطبيعة و كأنها خضراء كالسابق ، و اذا هي  كالرماد الحمراء كأني ذاهب ألى دارفور ، أراضي خصبة جافة، غضب من الله أهداها لنا هماً على الهموم.

وصلنا هناك بكل تواضع و عندما كنا نحضر أنفسنا ليلة  20 أذار و كباقي الناس هناك من تحضيرات عامة  لجاهزية النوروز، وللأسف أكثر من مليون شخص حرم من نوروز، خاصة عندما كانوا قد كلفوا أنفسهم بشراء المواد والماكولات، على الرغم من أن شعبنا هناك غالبية الناس يعانون من المجاعة لم يعد يملكوا ثمن رغيف الخبز، والسبب أننا فوجئنا بنبأ مقتل ثلاثة أشخاص أبرياء على أيادي عناصر أمن في ليلة عيد النوروز، ثم تعضل الوضع  بأكمله وفي حينه أصدرت غالبية الأحزاب الكردية قرار وقف أعياد النوروز حداداً على أرواح الأبرياء ولضبط النفس،وأمتد تداول الأخبار بين أفواه الناس حتى بدأ اليأس على وجوههم وبالأحرى التغى النوروز بموجب قاموس بعض الأحزاب الكوردية، ثم بدءنا نسمع ترويج الأحاديث عن قيام النزهات والرحلات الأسبوعية المقررغالباً أيام الجمعة ،أيضاً  كالعادة أصحاب الرحلات هم نفسهم الأحزاب الكردية، اللذين قسموا الجماهير المشتركة الى شرائح ومؤيدين، لجلبهم ألى أماكن الطبيعة لصالح حزب فلان وفلان، ثم الألذ مرارة عندما كنا نحضر أنفسنا طوال الأسبوع ويأتي الجمعة أي العطلة لكي نستعد  للسفر للأماكن المعينة , ألا وكنا نسمع قرار مضاد وألتغاء بحجة أنه حزب فلان هناك في المنطقة الفلانية ، أو بحجة، اليوم توفي شخص كبير السن في الضيعة الفلانية، وتكرر الأسطوانة هكذاعلى ثلاثة أسابيع متتالية بعد عيد النوروز.

رحلتي كانت جميلة وشيقة للغاية، لن أنسى اليومين اللذين ذهبتهما من ضمنه ألى السد الشرقي والسد العلوني على طريق الدرباسية القديم ،يوماً كانت الرياح والغبار تعمينا، واليوم الأخر كانت الذبان تطاردنا حتى رجعنا من الأغضاب الثلاثة ألى قواعدنا سالمين .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…