استدراك آذاري

ابراهيم محمود
مساء20-3-2008، انفتح جرح آذاري آخر في الجسد الكردي (من يمكنه إحصاء الجراح التاريخية والنفسية هذه؟)، ولعل محترفي نَكء الجراح، ومواظبة العمل على زيادة عدد الجراح هذه، ممَّن يتلمسون في الكردي بعبع تاريخه، مثلما هو رعبه النفسي، والراغبين في البهو الآذاري لتاريخ الكردي، وفي رحابة مدى تاريخه، وحدهم يعلمون، أي معاكسة للحياة يعيشونها، وهم على بيّنة من أمر الكردي الذي يعيش بجسده، باسمه، بروحه الكردستانية، أنه يزداد تقبُّلاً للتحدي، وإقبالاً على الحياة، كلما أوغل هؤلاء في إبراز مناقبهم ذات الصلة بالقتل، ورفض الآخر، وهو على أرضه، أو بجواره الجغرافي

كما لو أن وجود الكردي في متخيَّله، أو مقروءاً- ولو- بالاسم- مكاشفة لهم على مدى تهافتهم التاريخي، شهادة حية، على تدنّي القيمة التاريخية لكينونتهم، وهم يمضون محاربين دون ميعاد، في مواجهة مباغتة، لا تشرّف أصحابها بالتأكيد، كما لو أن الكردي تعرية مستمرة لتاريخ مجمل ما ينسبونه إلى أنفسهم من السجايا والمزايا، وهم قتَلَة الكردي، المتربصين له، أنَّى تنفسَ، وتحسَّس.

إذ لا تبرير لمن يقتل الآخر، وهو يعرّف بنفسه، على طريقته الكردية، ومن باب التمايز المشروع، سوى أنه لا يملك القدرة على الحياة، فيكيد لها في ذاته، كما هو الاسم الانساني الممنوح له، وإمكانية التعايش مع الآخر (والكردي نموذجاً)، ولو في الحد الأدنى.

كم من شهيد كردي، كم من جريح كردي، كما يعلم مجسّد الضاد العرمرم بأحقاده الصائتة، في وضح النهار، كان له صولات وجولات، مع الآخذ بالحياة في غير وجهتها الصحيحة، في تيهه القيمي التاريخي، كما يظهر، وكم لنا من شهيد كردي، وجريح كردي، وهو يسعى جاهداً، إلى مواجهته بما هو عليه من تيه وتتويه، دون جدوى حتى الآن، كما لو أن قاتله، وممثل قاتله أو مثله، مادحه، ومثله مكافئه في قتله ودوام تيهه، قد أبصر في الكردي ما يتهدده واهماً متوهماً، إنما هووهم الموعود بسرابه تاريخياً.

أذكر أنني مساء 14-32008،وفي اتصال من قبل قناة (روز) الكردية معي، حول الممكن قوله، بمناسبة مرور أربع سنوات على الحدث الآذاري الجسيم العظيم معاً، علَّقت على وضع الكردي والمتربَص به غيَّاً، وما يعانيه إنسانياً، وفي محيطه العربي نموذجاً، وفي سوريا ، بالتحديد، تأسفت على ما يجري، وأنا أشير إلى أن ثمة من يريدون المضيَّ قدماً، في هذا الطريق اللا طريق، أنهم على استعداد، كما هو ظاهر، لجعل كل يوم كردي، آذارياً دامياً، دون ارتداع مما يمكن أن يحصل، وهو يضأل قيمةَ تاريخية، ومعنى تاريخياً.

دون أي متابعة “درسية” لما يجري من حوله ، هنا وهناك!

وما حدث في 20-32008، استمرار لروح المغامرة المميتة لأصحابها، وأنا أتابع الحدث المأسوي، حدث المزيد من تفعيل الجراح في الجسد الكردي، من موسكو، إلى جانب أحبة، كرد، آخرين، وباتصالات مختلفة، ونحن نظهر المزيد من خوفنا على وطن مشترك، يغامر القيمون عليه على تتويهه، أي على تلغيمه، بجنايات دموية لا تتوقف.

كان ثمة أكثر من اتصال بالصديق الشاعر ابراهيم اليوسف، والذي كان من المفترض أن نكون معاً، أن نشارك في ندوة (التعايش عبر الثقافة)، في موسكو، ويا له من شعار عبَّر عن المخالف كثيراً، خارج المأمول فيه، وعلى أرض الواقع الهشة كثيراً، ولكن إرادة الكراهية، وأخلاقية أولي الأمر في الكراهية هذه، أحالت دون سفره مرتين: لأنه في عداد الممنوعين من المغادرة، إلا بإذن مسبق، والمعنيون بالعبارة هذه، يعلمون، أي معاناة روحية، تتجسد فيها، وتسببها، ولأن ما حدث في اليوم الموعود مع الكردي آذارياً، وإصابة ابنه العتيد المديد بروحه الكردية كرم ، برصاص التائه الضادي في تاريخه، إضافة إلى استشهاد عدد من الكرد، وجرح عدد أكثر من الكرد بالمقابل، على مذبح الكراهية الممدوحة من قبل ملأها، وما أكثرهم، في الوقفة النيروزية الكردية المضمخة بدم الكردي التليد، أحال دون سفره، وكنا موعودين معه هناك.

لقد قيل الكثير حول ما جرى في موسكو، قيل ما كان يجب أن يقال، عن التعايش المرغوب، والآخر المنكوب في ذوي الشأن حُكماً، وفي صالة موسكوفية ضخمة، مساء22-32008، حول الكردي الذي يقلق الضادي وغير الضادي، حتى بموته، يقلقه، حتى لو بدا أنه في حصون مشيدة، كما لو أن بذرة من بذور الكراهية الغريزية، قد ملأت مساماته كافتها، وجرَّدته من كل تبصرة لما هو عليه قيمياً.

قلت ما قلتُ حينها، كما قال ما قال حينها آخرون، حريصون على نقاء كرديتهم، كما هو حرصهم على نقاء تواصلهم، حتى لو مع قاتلهم المأخوذ بأهواء رعبه وعنفه اللاوطنيين، لعله يصحو على عدمية كراهيته النافذة فيه ذات يوم.

ثمة مفارقة كبرى، في العلاقة مع القتل هذا، ومن يبرر لفعل قتله للكردي، ومن يستهدي بقتله، كما تفتنه رغبته المتواصلة في تعظيمه لكراهيته مسلكياً، وهي أنها تزيد في استنفاد فرص الحياة، فرص البقاء في التاريخ الفعلي، في جعله أكثر جدارة بالرثاء، وهو ينتشي، برؤية دم الكردي مسفوحاً، في حكاية كبرى، تملأ رواق الضادي المعتم، وليس سوى دم الكردي، كما يظهر، بملطّف لهواء تاريخه الراكد جداً، ولكنه هو الدم ذاته الذي يضيق الحصار عليه تاريخياً، كما هو المتداول عنه تاريخياً.

لقد أردت أن أكتب كلمتي هذه، تعبيراً عما جرى، حيث لم أستطع حينها، أن أدوّنها وأنشرها هناك، لعدم تمكني من الحصول على  الوسيلة، وأنا أشدد على تفجعي الكردي والوطني معاً، بما جرى، ولو من باب الاستدراك آذارياً، وليس لي إلا أن أكبّر في الشهيد الكردي موته- صوته الرحب، وفي الجريح الكردي، جرحه- نضحه الأثير، إلا أن أسمّي في قتلة الكردي عيشهم الزؤام، وحياتهم الوخيمة.

 

إن شرط الحياة الوحيد، هو أن تعيشها بملء روحك، لتشعر بعظمتها، إنما مع الآخرين المختلفين عنك ، وأظن أن الكردي ممثّلُ هذا الشرط النجيب، وليس من مخرج للتائه في تيهه سوى الاستجابة لهذا الشرط المجيد، والدخول في التاريخ إن أراد بقاءً!

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

المحامي عبدالرحمن نجار بضغط القوى الدولية ودعوة أقليم كوردستان العراق أنعقدكونفرانس في 26 نيسان 2025 بمدينة القامشلي أجتمع فيه مجلس الوحدة الوطنية بقيادةحزب الإتحاد الديمقراطي، وقيادة المجلس الكوردي، من أجل وحدة الصف الكوردي خاصة بعدرحيل نظام البعث.فتم الإتفاق على خطاب سياسي “الفيدرالية،اللامركزية”!. قلنافي حينها أنه مصطلح ناقص مخالف للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، أما المصطلح الصحيح هو:”الفيدرالية القومية وفق اللامركزية…

ماجد ع محمد   صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه…

د. محمود عباس   الأمم الصغيرة ومكانتها في النظام العالمي الجديد.   لم يعد النظام العالمي الجديد حكرًا على الأمم الكبرى وحدها، ولا باتت المكانة الدولية تُمنح فقط لمن يملك المساحة الأوسع أو الجيوش الأضخم. فخلال العقود الأخيرة، أثبتت تجارب متعددة أن أممًا ودولًا صغيرة استطاعت أن تفرض لنفسها وزنًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، لا لأنها…

عاكف حسن في كل مرحلة سياسية معقدة، يظهر مصطلح يلمع أكثر مما يشرح، ويُستخدم أكثر مما يُفهم. في حالتنا، اسم هذا المصطلح هو: “الاندماج الديمقراطي”. هذه ليست نظرية سياسية بقدر ما هي وصفة سحرية جاهزة، خرجت من فضاء أفكار عبد الله أوجلان، لا من رحم التجربة السياسية والاجتماعية لروجافا. ومن هنا يبدأ الالتباس: مشروع لم يُصغَ على قياس طموحات الناس…