نوروز يوم دموي لأكراد سوريــــــا

فوزي الاتروشي

يوم (21/اذار) عيد نوروز بقيت في بغداد لأن فيضان العمل وهموم الكتابة منعتني من السفر الى كوردستان والتمتع بشمسها وضفائرها المغسولة بالحناء احتفالاً بعيد الحرية .

ارسلت رسائل تهنئة قصيرة بالهاتف النقال الى زميلاتي وزملائي في الوزارة وسرعان ما انهالت عليَّ التهاني التي دخلت القلب ولامست بحنان وجداني , وتسلمت من مدير واعضاء مكتبي باقة ورد طبيعية جميلة للغاية دخلت القلب وحفرت في الذاكرة علامة حب لا تنسى.

 

يوم نوروز استثنائي في تقويم السنة فهو عيد التجدد للانسان والارض والمناخ , فلا احد من النساء والرجال والاطفال يبقى في البيت والكل ينفرج على فضاءات الحرية والفرح والذكريات المنعشة .

والارض تلبس حلتها الزاهية الالوان وتغادر الوانها الرمادية , والليل يتساوى مع النهار , وتبدأ الثلوج بالذوبان ويستهل الناس يومهم بأشعال شعلة نار استحضاراً لـ (كاوه) الحداد الذي حمل النار رمزاً للخلاص من الطاغية “ضحاك”.

تذكرت وانا جالس وحدي كل احتفالات نوروز التي اقمناها في عواصم الدنيا تحدياً لنظام كان يحاول تطويق حتى احلامنا بالاسلاك الشائكة , ومرت بي غمامة حزن وكأنني اتنبأ بأن شيئاً ما سيحدث وفعلاً جائني الخبر عبر الانترنت ان مدينة (قامشلي) الكوردية التي سالت فيها الدماء الغزيرة يوم 12/اذار/2004 قد الغت اعياد نوروز حداداً على ارواح ضحايا جدد يوم 21/3/2008 وذنبهم الوحيد حملهم لمشاعـــــــل النار وممـــــارستهم لطقوس عيدهم القومي .

فيوم امس سقط (4) شهــــداء وجرح (9) اخرون بعد ان اطلقـــــت الشرطة السوريــــة النيران عليهم , فتحولت فرحتهم مأتماً واذ اخمد رجال الامن مشاعل النار , فأنهم أضرموا في القلوب والمشاعر مجدداً شعلة التوق الى الانعتاق والحرية.

لأكراد سوريا مكانة خاصة في النضال التحرري الكوردستاني فهم رغم قلة عددهم حازوا من التعليم والوعي السياسي ما جعلهم نخبة متقدمة في تعضيد النضال الكوردي في كل اجزاء كوردستان , وكانوا دوماً الجزء العزيز الذي يضحي بمصالحه لصالح الحركة الكوردية في العراق او تركيا , وقد تبلورت بينهم حالة تمرد قصوى تنهض بها اقلام نسوية ورجالية حفرت بصماتها بقوة على الارض , والى ذلك فأن هذا الجزء عانى ومازال يعاني من الحرمان والقمع والتهميش ما يذكرنا بقرون خلت في زمن العولمة وهبوب رياح الديمقراطية على كل بقاع الارض.

في اوائل ستينات القرن الماضي صدرت وثيقة (محمد طلب هلال) الذي كان انذاك محافظ (الحسكة) وهي تدعو صراحة الى تعريب وترحيل وتجهيل وتعطيل الكورد لتصفية ملامح هويتهم الثقافية واذابتهم كلياً في المجتمع السوري العربي .

وترجمت الوثيقة الى واقع من خلال تجريد نحو (120) الفاً من الجنسية السورية ومازال ابناء هؤلاء يسمون “المكتومين” الذين لا يتمتعون بأية وثيقة اثبات هوية وهذا خرق لأبسط حقوق الانسان.

وتم تعريب اسماء المناطق والقرى الكوردية (وقد مر كاتب هذا المقال بها) والاسماء مترجمة حرفياً من الكوردية الى العربية وهذه سياسة ساذجة للغاية من دولة هي الاكثر حديثاً عن حرية الشعب الفلسطيني ونضاله التحرري الذي كان لاكراد سوريا قصب السبق في تأييده والتضامن معه ودفع قافلة من الشهداء من اجله.
لم يقف النهج السوري عند حد تغيير الاسماء بل تجاوزه الى تغيير الارض والانسان فكان مشروع الحزام العربي لتشتيت الرقعة الجغرافية لاكراد سوريا , ومنذ اوائل سبعينات القرن الماضي ولغاية الان شكلت سياسة التنكر والاعتقال والتصفية وتغييب الثقافة الكوردية هي اللغة البدائية للتعامل مع قضية عصرية لا حلَّ لها الا الانفتاح عليها ديمقراطياً لأن هواء العصر فيه من النقاوة والوضوح والعذوبة ما لا يتحمل قبح الحديد والنار كألية صدئة لمواجهة المشاكل .

وكان ما توقعه الجميع وهو ان للصمت وللصبر حدود فالضغط لا يولد الا الانفجار الذي تناثرت شظاياه في اذار عام 2..4 في انتفاضة (قامشلي) المدينة المتمسكة بلغتها ولون اثوابها وتقاسيم وجهها الكوردي معلنة فشل كل مفردات مشروع تصفية شعب لانه الاستحالة المطلقة.

ان سوريا دولة مواجهة ولديها ارض محتلة وهي اكثر الدول حاجة الى الوئام الاجتماعي والاستقرار السياسي لانجاز الاستحقاقات وترطيب الاجواء مع الجوار الاقليمي والخروج من قائمة الدول اللاديمقراطية ومد جسور الصداقة مع العالم .

ان نهجها الحالي تجاه كوردها يضيف شرخاً اخر الى سمعتها المثقلة بأشكاليـــات المسألة اللبنانية .

فهل تتراجع وتعلن خطأ مشروعها السياسي الحالي وخطأ تعاملها مع اجنحة المعارضة السورية , التي تتوالى مؤتمراتها واحدى شرائحها هي المعارضة الكوردية السورية .

ان اكراد سوريا سوريون اصلاء وسيبقون كذلك حتى وهم بدون جنسية وربما كانت دمائهم التي سالت يوم 12/اذار/2004 ويوم امس ايذاناً جديداً للحكومة السورية انها لن تقنع احداً اذ تطالب بالحرية للجولان وتصادر الحرية اذا تعلق الامر بلبنان او كوردستان .

بغداد

22/3/2008

كاتب ومحلل سياسي

Email: f.atroshi@yahoo.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالباسط سيدا الوضع الدولي على غاية التعقيد، وكذلك الوضع الإقليمي، وهذا يعود إلى عجز النظام العالمي، الذي توافقت بشأنه القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية 1939-1945، على مواكبة التطورات والمتغيرات التي استجدت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. وقد تمثّل في تراجع المكانة الاستراتيجية لبعض القوى الدولية المؤثرة، وانشغال روسيا بأوضاعها الداخلية، وبروز الصين كقوة اقتصادية عملاقة تمتلك رؤية مستقبلية…

صلاح عمر في زمنٍ تُدار فيه الحروب على منابع الطاقة، وتُرسم فيه خرائط النفوذ بخطوط النفط والغاز، تبدو المفارقة في روجآفاي كردستان أكثر قسوةً من أن تُحتمل. فهنا، لا يدور الصراع على من يملك الثروة… بل على من يُحرم منها، رغم أنها تخرج من أرضه، وتُحمَّل أمام عينيه، وتغادر دون أن تترك له سوى طوابير الانتظار. في الوقت الذي يتصاعد…

اكرم حسين تقتضي الضرورة التاريخية الراهنة، أكثر من أي وقت مضى، إجراء مراجعة نقدية للمسارات السياسية التي سلكها الوعي الجمعي السوري منذ منتصف القرن العشرين، حيث ظلّت الدولة والوجدان العام رهيناً لمشاريع أيديولوجية شمولية حاولت قسراً صهر الوجود السوري المتعدد في أطر “فوق-وطنية”، مستندةً في ذلك إلى شعارات العروبة “الراديكالية ” أو”الأممية” الدينية التي تجاوزت حدود الجغرافيا والواقع المعاش…

سرحان عيسى بدايةً، لا بد من التأكيد على الاحترام الشخصي والتقدير للأستاذ عبدالله كدو، لما يمتلكه من تجربة ورؤية تستحق النقاش. غير أن هذا الاحترام لا يمنع من الوقوف عند بعض النقاط الجوهرية التي وردت في مقاله، خاصة حين يتعلق الأمر بمسار الحركة السياسية الكردية في سوريا ومستقبلها. إن الدعوة إلى تفعيل الطاقات والكفاءات الكردية السورية هي دعوة محقة ومطلوبة،…