أتفاقية (11) آذار عام 1970… فصل اساسي في سجل النضال التحرري الكوردي

فوزي الاتروشي*



   قبل (38) عاماً تهيأ للعراق ان يكون بوابة مشرعة لرياح التغيير الديمقراطي وسنحت له الفرصة لوقف الاستنزاف البشري والاقتصادي والمعنوي من خلال ايقاف نزيف الدم في كوردستان, وعبور ضفة المستحيل الى الممكن بالتوقيع على اتفاقية الحادي عشر من آذار التي جهزت الارضية الصلبة لحل اكبر معضلات العراق وهي القضية الكوردية.

 

   كان ذلك اليوم بداية تدشين ديمقراطي لتغيير المعادلة التأسيسية للدولة العراقية, منذ عام 1921, التي دأبت ان تكون مركزية شمولية نخبوية احادية الجانب, فاتفاقية آذار جسدت لأول مرة الاعتراف الدستوري بالقضية الكوردية وباشراك الكورد ولاحقاً القوميات الاخرى في الحكم والقرار وادارة الدولة.

ونذكر جميعاً ان شاعر العرب الاكبر الجواهري كتب حينها قصيدة رائعة في (125) بيتاً تغنى فيها بالسلام والتآخي وببطولة ونبل البارزاني الخالد حين قال عنه :

عملاق جنٍّ في الحــــروب ودعلـــــجٌ

في السلم يحمي الجلــــد بالنشــــــــاب

ومضى قائلاً بحكمة ودراية فائقتيـــن :

يعيــــــــا الجحيم بأن يسعِّـــر أمة ً..

فـــــاذا هي اختلفت فعود ثقـــــــــــاب

واذ نعود بالذاكرة الى تلك الايام وننعش فيها يوميات ذلك الزمن نستخلص قيمة اساسية هتكها النظام الدكتاتوري السابق مع سبق الاصرار وهي التملص من العهود والوعود ونقض الاتفاقية من الاساس واعلان الحرب مجدداً في آذار 1975 وشن أكبر حرب عنصرية بغيضة على كوردستان العراق اقترنت بالجينوسايد المادي والمعنوي والثقافي والبيئي باعتراف اجماع المنظمات الحقوقية الدولية, ولا سيما منظمة مراقبة حقوق الانسان في الشرق الاوسط التي اصدرت كتاباً ضخماً بالانكليزية عام 1995 حول تفاصيل جرائم الانفال وحلبجة.

وكان يمكن تلافي كل ذلك وتوفير انهار من الدماء والدموع لو ان الحكومة العراقية اتصفت انذاك بشئ من الحكمة والعقلانية والسلوك البراغماتي في الحكم, ولو انها ادركت ان الحديد والنار لا يفلاَّن ارادة الشعوب, وانما يزيدانها اشتعالاً وتحدياً واصراراً على المقاومة.

كان الطرف الكوردي منذ البداية صادقاً في طرح الحلول لمشكلة مستفحلة في حين كان الطرف الحكومي ينشر الكلام المعسول مقروناً بسموم النوايا, ونتذكر ان البارزاني الراحل كان يشك في النوايا ويدرك ان الحكومة العراقية قد تنقلب على كل بنود تلك الاتفاقية المفصلية في تاريخ النضال التحرري الكوردي, ولذلك صرَّح حينذاك لصحيفة “المصور” المصرية ما مفاده انه قلق ويتوجس خيفة من نقض الحكومة لالتزاماتها وذلك ما حصل بالفعل.

اليوم ونحن نعود الى الوراء نعلم كم كانت تلك الاتفاقية مهمة في التاريخ الكوردي ووضعت الاساس السليم لحل القضية الكوردية في العراق لغاية عام 1992 حين قرر البرلمان الكوردستاني رفع السقف المطلبي الكوردي من الحكم الذاتي الى الفيدرالية لأسباب موضوعية وذاتية يقف على رأسها التطور الحاصل في النظام الدولي الجديد وتحول الحكم الذاتي المسخ الذي طبقه النظام على هيئة حرب عنصرية في الخفاء تحت غلالة ما سمته الحكم الذاتي للتعتيم على العالم كله.

والسبب الاخر ان الفيدرالية فيها من الضمانات والآليات التي تمنع تحكم المركز بالاقاليم ما يعني انعدام فرص قيام المركز مجدداً بشن حملات عسكرية على كوردستان.

لقد عززت اتفاقية آذار الوضع الكوردي و أرست علاقة خضراء بين الشعبين الكوردي والعربي وانتزعت الاعتراف لأول مرة بوجود الكورد كقومية ثانية في العراق ليرد ذلك بنص واضح في الدستور العراقي .

كما كانت الاتفاقية مرتكزاً للانفتاح على مجمل القوى الديمقراطية والوطنية العراقية حيث انفتحت أفاق للحوار معها واصدرت بعض الاحزاب صحفها الخاصة بها , وشكلت صحيفة “التآخي” آنذاك منبراً اعلامياً مؤثراً بأتجاه تعميق التحالف الكوردي العربي وعرض مجمل الهموم والشؤون الكوردية والعراقية على صفحاتها.

واستدعت الاتفاقية الاقدام على جملة من الخطوات الانفتاحية على القوميات الاخرى في العراق كالتركمان والكلدوآشور والسريان حيث صدرت قوانين لمنحها الحقوق الثقافية وتأسست مديريات للثقافة تبعتها اصدارات بهذه اللغات القومية.
واليوم اذ نعيش اجواء عملية سياسية متعثرة ونعاني من التأخير والمماطلة في مجمل الملف الكوردي في العراق والاستحقاقات الكوردية والعراقية, نتذكر هذه الاتفاقية بمزيد من الشوق نحو مستقبل اكثر اشراقاً للقضية الكوردية في العراق, ونتطلع الى ان تصبح التجربة الكوردية وحكومة وبرلمان اقليم كوردستان اكثر رسوخاً في الارض واكثر قرباً من المواطن ومن الجذور الاساسية التي نمت وترعرعت عليها الحركة التحررية الكوردية.

 

ان الحالة الكوردية الراهنة في العراق هي ثمرة كل المحطات النضالية المشرقة ومنها اتفاقية آذار لعام 1970 وانتفاضة ربيع عام 1991 وحملة التضامن الدولية وتفاني وتضحيات جسيمة قدمها شعبنا.

 *كاتب ومحلل سياسي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان منذ نهاية الحرب الباردة، احتلت مفاهيم مثل التعايش وأخوة الشعوب والتعددية والمواطنة المشتركة مكانة متقدمة في الخطابين السياسي والفكري، بوصفها مفاتيح لبناء مجتمعات أكثر استقراراً وعدالة. وقد جاءت هذه المفاهيم استجابةً لتجارب إنسانية قاسية أثبتت أن الصراعات القومية والعنصرية والدينية لا تخلف سوى الحروب والانقسامات وإضعاف الدول والمجتمعات. غير أن تحويل هذه المبادئ إلى واقع سياسي…

ماهين شيخاني في زمن تتغير فيه الخرائط، هل يبقى الكورد متفرجين؟ ليس هناك ما هو أشد إيلاماً من أن يمتلك شعبٌ كلَّ مقومات البقاء، فيفقدها بسبب انقساماته الداخلية. هذا هو جوهر المأساة الكوردية اليوم. فبينما تُعاد رسم خرائط الشرق الأوسط تحت وطأة المتغيرات الجيوسياسية، وبينما تسقط الأنظمة وتنهض أخرى، وبينما تتهاوى التحالفات وتُبنى غيرها، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً يطرق أبواب…

عبدالرحيم حسن من السهل تحميل الاحزاب الكوردية في روآڤايي كوردستان مسؤولية الاخطاء وماآلت اليه الاوضاع كما انه من السهل اتهام الشارع الكوردي بالتقاعس واللامبالاة ولكن في الحقيقة الازمة التي تعصف بالمجتمع اكثر تعقيداً فهي نتيجة تراكمات واخطاء مشتركة بين الاحزاب السياسية والنخب الاجتماعية والثقافية والمجتمع نفسه.   لاشك ان الاحزاب الكوردية تعاني من ضعف واضح من حيث التاثير والحضور الشعبي….

إبراهيم اليوسف ها قد دخلت الاحتجاجات يومها السابع، واستطاع المحتجون المشغولون بأهلهم من المواطنين، من دون تفريق، أو بحث عن: وجاهة أو جاه، خلال أسبوع كامل أن يثبتوا أن المطالبة بحق المواطن في الرغيف حين تخرج إلى الشارع فهي أبعد من أن تكون صدى لمجرد جوع، لأنها تعكس أسئلتها الكبرى. أسئلة الكرامة، إنها نتاج تاريخ كامل من…