رحل نقيب الصحفيين … ولم تصله ورودي

  فوزي الاتروشي
وكيل وزارة الثقافة في العراق

كنت نويت ان ابعث باقة ورد الى المستشفى حيث يرقد شهاب التميمي نقيب الصحفيين وقد اشتريتها فعلاً , لكن الموت خطفه واستبقني .

وبقيت لي غصة في القلب ودمعة في العين .

برحيله استدعيت الى الذاكرة كل شهداء الكلمة الصادقة المتنورة من كتاب ومبدعين وصحفيين ميدانيين رسالتهم فضح الارهاب ونقل الحقائق واعادة تشكيل الوعي العراقي الجديد على انقاض الدمار والخرائب والحرائق التي تحاول ان تلتهم كل شئ جميل على تقاسيم وجه العراق.
برحيل نقيب الصحفيين فقدت مهنة المتاعب اسماً علماً اخر ووتداً من اوتاد الكلمة المقاومة المحرَضة العصيَة على الانكسار والسقوط , واذابطلقة غادرة وبائسة ويائسة من الحياة تخترق جسداً عجز الارهاب عن اسكاته فلجأ لأسقاطه وتصفيته بالغدر.


التحق نقيب الصحفيين بعشرات المدافعين عن حرية الكلمة في العراق الجديد الذين يقفون على خطوط المواجهة الاولى دون خوف او وجل لمنع فيضان الحقد والدمار ان يعود الى العراق ولمسح اثار الحروب وشظاياها عن جسد وطن لم يقتنص فرصة سلام واستقرار على مدى عقود من الزمن , والارهاب مصمم على غلق نوافذ الفرح والامل عليه.


انه الارهاب الاعمى فاقد البصر والبصيرة يعادي الحياة والجمال والحرية والحب والتواصل الانساني ويمارس بمهنية وخبرة اجرامية متميزة فعل تدمير كل شئ ثمين في الحياة وكل قيمة ذات مغزى وكل وعد بمحو الماضي وتزيين الحاضر واستشراف مستقبل اكثر اشراقاً.


لحظة اعلان وفاة نقيب الصحافة العراقية الحرة استحضرت الى القلب قبل الذاكرة صورة (اطوار بهجت) التي كانت تتنقل في ميادين المواجهات بجرأة فائقة لنقل الوقائع والحقائق فسال دمها وتمزق جسدها ليصبح اكبر حقيقة وواقعة اعلامية ذات رسالة معبرَة للجميع مفادها ان الصوت الحر والقلم النابض والفكر المستنير والعقل المبدع هي الاهداف المثالية للارهاب الذي يصدَر الموت الى كل مكان.


مات شهاب التميمي لكن جسده واجساد كل زملاء المهنة الراحلين ستنزف وتظل تضخ الروح في الاقلام الصامدة للبقاء على خطوط النار وفي خنادق المواجهة ودفع ضريبة الحرية .


ونقول للحكومة العراقية انها مطالبة بتوفير اقصى درجات الحصانة والامان واجراءات السلامة للعاملين في حقل الصحافة وتزويدهم بوسائل حماية كافية تنقذهم من خطر الموت الذي يحصد ارواحهم بعد ان اصبح العراق الدولة الاخطر في مجال خطف وقتل الصحفيين لأن الارهاب يعلم ان دولة بلا صحافة هي دولة بلا حرية وبلا سلطة رابعة لا تقل عن السلطات الاخرى شأناً .


الم يقل الرئيس الامريكي جيفرسون ذات يوم ((انني افضل ان عيش في بلد ليس فيه قانون وفيه صحافة حرة , على ان اعيش في بلد ليس فيه صحافة حرة وفيه قانون)) فهذ القول ينمُ عن حكمة ودراية لأن الصحافة الحرة في كل الاحوال تنادي وتعمل على تثبيت حكم القانون وسيادته في المجتمع , وهي المرآة التي تكشف قبح الارهاب الملثم بالسواد وتفضحه , لذلك يلاحقها الارهاب في كل زاوية خوفاً من شمس الحقيقة ومن ربيع الكلمة .

رحل شهاب التميمي ولم تصله ورودي وهو حي ولكنها امانة وستصل الى قبره الذي لا بد ان يزهر بستاناً من الريحان والبراعم النديَة .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…