للمرة الرابعة علي العبد الله في زنزانة النظام

محي الدين عيسو

اللقاء الأول الذي جمعني مع الأستاذ علي العبد الله كان في محكمة أمن الدولة العليا بدمشق بتاريخ 4/10/2006 حين كان معتقلاً بتهمة صارت مادة أساسية من الدستور السوري يحاكم عليها الكتاب والمثقفين ومن يبدي رأيه في الشؤون العامة ألا وهي “نشر أخبار كاذبة توهن نفسية الأمة ” وحوكم على أثرها بالسجن لمدة ستة أشهر.
الأستاذ علي العبد الله من مواليد دير الزور1950، وهو كاتب ومحلل سياسي معروف، يكتب في العديد من الجرائد والمجلات العربية وكان قد اعتقل مرتين خلال السنوات الماضية، ولأكثر من خمسة أشهر في كل منهما، وهو ممنوع من السفر منذ التسعينات، كما أن ولديه الشابين محمد قد اعتقلا مرارا على خلفية نشاطهما السياسي والحقوقي، وعمر الذي مازال في السجن بتهمة تكوين منظمة شبابية مع مجموعة الشباب السوري المستقل.


وحين صدر قرار الإفراج عنه وعن ولده الشاب محمد بعد مرور ستة أشهر من الاعتقال توجهت مع أحد الأصدقاء إلى منزله لاستقباله وكنا أول الواصلين، ولكن الإفراج تأخر إلى اليوم التالي ولم نتمكن من رؤيته، وفي المرة الثانية كان اللقاء مصادفة في مكتب الأستاذ فايز سارة، ثم توالت اللقاءات بمناسبات مختلفة، حيث لم يتخلف “العبد الله”  عن أي نشاط سياسي أو حقوقي في سوريا وهو مازال مدافعا عن الإنسان السوري المظلوم مهما كان الثمن باهظاً، وفي إحدى لقاءاته الصحفية بعد خروجه الأخير من السجن تسأله المحامية والناشطة الحقوقية رزان زيتونة ألا تفكر بأخذ إجازة من الشأن العام بعد أن أفرج عنك؟ فيكون الجواب بالعكس، كنت أتوقع أن يخلى سبيلي يوم صدور الحكم بتاريخ 4-10-2006 لكي أشارك في اليوم التالي في الاعتصام الذي دُعي إليه في ذكرى الإحصاء الاستثنائي والدعوة لإنصاف الأكراد الذين نزعة عنهم الجنسية في ذلك الإحصاء المشئوم ودمجهم في الحياة الوطنية كسوريين كاملي الحقوق والواجبات، لكن تأخر الإفراج عني إلى اليوم التالي وبذريعة غير منطقية: تباين في توصيف الجرم بين مذكرة التوقيف ومذكرة إطلاق السراح، لذا لم يتح لي المشاركة في الاعتصام المذكور.
علي العبدالله، الرجل الهادئ والمتزن في آرائه وعضو لجان إحياء المجتمع المدني في سورية يكون من زوار السجن للمرة الرابعة، محملاً بعبء ثقيل هو المعيل الوحيد لأسرته التي لم يبقى منه سوى زوجته وابنتيه، حيث محمد خارج سوريا يعيش في لبنان من أجل إكمال دراسته الجامعية، وممنوع عليه العودة إلى وطنه، و” عمر ” محكوم بخمس سنوات، وقد أنظم أ.

العبدالله ،العضو المنتخب في الأمانة العامة ثم في هيئتها الرئاسية الخماسية، إلى قائمة الأعضاء المحتجزين الستة، وهم أمينا سر المجلس الوطني : د.

أحمد طعمة ، وأ.

أكرم البني ، وأ.

جبر الشوفي عضو الأمانة العامة، ود.

فداء الحوراني رئيسة المجلس الوطني، ود.

ياسر العيتي، ليكونوا جميعا واجهة سوريا عبر الرأي الحر والكلمة الصادقة ومعايشة أوجاع الناس، ويكونوا بحق من يصنعون تاريخ سورية في القرن الجديد مع بقية رفاق الدرب سواء داخل سجون النظام أو داخل السجن الكبير الذي يزداد فيه بطش الأجهزة الأمنية، والسباق الدائر بين هذه الأجهزة لمن يكون المتفوق في إذلال المواطن السوري وإهانته، وحجز حريته، وكتم أنفاسه، وتخوين مناضليه والظهور بمظهر المقاوم والممانع والمتصدي والمكافح، وهو الذي يحلم بعقد أي سلام مع إسرائيل حفاظاً على وجوده، وديمومة نظامه، وغطرسة أجهزته الأمنية.
إن من يتهم علي العبدالله وزملاء الأشراف بالخيانة والارتباط مع الخارج فلينظر إلى يديه المحروقتين وشظايا الرصاص في رقبته، وهو الذي عمل مع المقاومة الفلسطينية لسنوات لم ينل منها سوى عزة النفس وحب الوطن، أو أن يزوره في منزله الذي يدفع أجاره  مع بداية كل شهر بعكس من قاموا باعتقاله والذين يملكون القصور والخدم والدولارات وأبنية راقية داخل الوطن وخارجه.


أسمح لي صديقي علي أن أصارحك من داخل زنزانتك بأنني حين سمعت نبئ اعتقالك أدمعت عيني وأنا أتأمل طفلي داريوس الصغير الذي لا يتجاوز الثالثة من العمر حين حملته بين يديك بعطف وحنان وملاعبته، وتبادل أطراف الحديث معه، ولسان حالك يقول أيها النظام كفوا يدكم عن ( محمد وعمر ) وعن كافة أبناء هذا الوطن الجريح.


أرفع سلاحي/ قلمي بوجه من أعتقل علي العبدالله وزملائه.
أهديك ابتسامة داريوس ودموع والده.
أرفع لك القبعة

احترمك

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مقدمة يشكّل القائد الكوردي مصطفى البارزاني أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخي الشرق الأوسط المعاصر. فقد ارتبط اسمه بالحركة التحررية الكوردية طوال ما يقارب نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وكان أحد القادة الذين أسهموا في تحويل القضية الكوردية من انتفاضات قبلية متفرقة إلى حركة قومية منظمة ذات مشروع سياسي واضح. وتكمن أهمية دراسة فكر البارزاني في…

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…