الكورد في سوريا

عبدالجابرحبيب

منذ بدايات القرن الماضي، والكوردي في سورية متَّهَمٌ سلفاً.

تهمةٌ جاهزة، لا تحتاج إلى دليل ولا إلى سياق: الانفصال.

يكفي أن تكون كوردياً كي تُستدعى هذه الكلمة من أرشيف الخوف.

حكمٌ مؤجَّل لا يسقط بالتقادم.

لم ترفع الأحزاب الكوردية، ولا النخب الثقافية الكوردية، شعار اقتطاع الأرض، ولم يُسجَّل في خطابها السياسي مشروع تمزيقٍ لسورية.

ومع ذلك، ظل الكوردي يُعامَل بوصفه مواطناً مشروطاً، وولاؤه موضع شبهة، وحقوقه مؤجَّلة إلى أجلٍ غير مسمّى.

حقٌّ أكثر من حقٍّ بسيط:

مطالب الكورد في سورية كانت، وما تزال، أن لا يكونوا مواطنين من الدرجة الثالثة.

أن يُعترَف بلغتهم، وتُصان كرامتهم، ويُسمَح لهم بأن يكونوا شركاء لا توابع.

غير أن السياسة، حين دخلت المشهد، دخلت مثقلة بالأوهام، وبالصراعات الحزبية، وبهيمنة قوى دولية بعينها على القرار والمصير، فكانت النتيجة كارثية:

تهجير، احتلال، تفريغ جغرافي، وتحويل القضية من مطلب حقوقي مشروع إلى ورقة في بازار المصالح الدولية.

وكأن التاريخ، الساخر دوماً، قرر أن يعيد نفسه، ولكن بسرعة أشد قسوة.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاحٍ مؤلم:

لماذا كل هذا الثمن على كورد سورية؟

ـ هل لأن مناطقهم تقع في قلب صراع المصالح الدولية، حيث النفط والحدود والخرائط المؤجَّلة؟

ـ هل لأن تركيا، التي ترى في أي كيان كوردي تهديداً وجودياً، لا يمكن أن تسمح باستقرار الوضع الكوردي في الأقاليم الكوردية الأربعة؟

ـ أم لأن القادة الكورد، في لحظة مفصلية، لم يختاروا الحليف المناسب، أو أساؤوا قراءة خرائط القوة، أو بالغوا في الثقة بحليف لا يعرف سوى لغة المنفعة؟

في عهد ترمب الأول، لم يحتج الكورد إلى تحليلٍ طويل ليفهموا الدرس:

انسحابٌ مفاجئ، ضوءٌ أخضر، اجتياحٌ تركي، واحتلالٌ سافر لمناطق كوردية.

وتصريحٌ مباغت للرئيس ترمب عام 2019 حين قال:

“إن القوات الكردية التي حاربت بجانب الولايات المتحدة في حربها ضد الدولة الإسلامية في سوريا لم تساعدنا في الحرب العالمية الثانية، ولم تساعدنا في إنزال نورماندي”.

وفي المرحلة التالية، لم يعد الصوت الأمريكي يعلو دفاعاً عن الكورد، بل خفتَ حدُّه، فيما ارتفعت نبرة الإشادة برجل قادم من رحم تنظيم متطرف، لا يخجل من ماضيه، ويُوصَف – ببرودٍ مذهل – بأنه “شجاع”.

هنا، لا يعود السؤال أخلاقياً، بل سياسياً خالصاً:

ماذا تعني الشجاعة في قاموس المصالح؟

وهل يُعاد تدوير الإرهاب حين يخدم التوازنات الجديدة؟

الوضع الراهن لا يطمئن.

ما يجري في الشيخ مقصود والأشرفية ليس حادثاً عابراً، بل نتيجة تراكمات من الإخفاقات والنوايا الدفينة.

ولا يمكن لوم الطرف الآخر ما دمت تعرف مسبقاً ما يخبّئه لك.

لذلك، لا بد من طرح سؤالٍ مفصلي:

ـ هل كانت السياسة غير الواقعية لبعض القيادات الكوردية، وفشلها في استثمار الفرص المتاحة، سبباً مباشراً في ما يحدث؟

أم أن الحلفاء، الذين استبدلوا الجزء بالكل، ونظروا إلى سورية كغنيمة لا إلى روج آفا كقضية، هم من رسموا هذا المسار؟

السياسة الأمريكية، كما عُرفت دائماً، لا تعترف بالعواطف، بل تقوم على منطق الربح والخسارة.

وهنا يبرز سؤالٌ بالغ الخطورة:

كيف غابت الإرادة السياسية الكوردية الموحَّدة في روج آفا؟

صحيح أن القوة العسكرية أدارت المفاوضات، لكن لا يمكن، في أي حال، الاستغناء عن القوة السياسية. وهذا ما حصل، مع الأسف.

وثانياً:

كيف يسمح الشعب السوري، عموماً، بتشكيل جيش يُفترض أنه “وطني”، فيما يشكّل الأجانب – ومن بينهم الإيغور – جزءاً أساسياً من قوامه؟

ألا يثبت ذلك لاوطنية الحكومة التي جاءت بها الدول المستفيدة، وعلى رأسها الولايات المتحدة؟

إيديولوجيات متناقضة:

أيّ وطن هذا الذي يُبنى بعقيدة عابرة للحدود، وبفكرٍ تكفيري لم يجفّ دم ضحاياه بعد؟

المجازر التي ارتُكبت في الساحل السوري، وما جرى في السويداء، ليست أحداثاً معزولة عن السياق الراهن.

فالزحف نحو حلب لم يكن تحركاً عسكرياً فحسب، بل كان، في جوهره، اختباراً أخلاقياً وسياسياً لسورية المقبلة.

الفيديو الذي يوثّق رمي جثة مقاتلة كوردية من أحد أبنية الشيخ مقصود ليس تفصيلاً سردياً في يوميات حربٍ عشواء، بل وثيقة إدانة لفكرٍ همجي لا يرى في الإنسان سوى جسدٍ مباح.

وحين يُردَّد “الله أكبر” فوق هذا المشهد، لا بد من السؤال:

أيّ إله هذا الذي يُستدعى لتبرير القتل والتمثيل بالجثث؟

أمام هذه اللحظة الحساسة، لا يكفي البكاء على الأطلال، ولا اجترار شعارات فقدت معناها.

المطلوب من كورد سورية اليوم وقفة شجاعة مع الذات قبل الخصوم.

مراجعة حقيقية، لا تبريرية، لدور الأحزاب، وخيارات القيادات، وأثمان الارتهان للخارج.

ألم يشبع أصحاب الشعارات من الهتاف؟

ألم يحن الوقت للاعتراف بأن المتاجرة بدماء الشباب، تحت أي مسمّى، لم تعد بطولة، بل جريمة سياسية، ما لم تُستثمَر في بناء ركيزة أساسية لكورد سورية؟

كورد سورية لا يحتاجون مزيداً من الخطابات، بل مشروعاً واقعياً موحَّداً، يعيد تعريف القضية خارج منطق السلاح وحده، وخارج وهم الحليف الدائم.

قضية تُبنى على الحقوق، لا على الرهانات الخاسرة، وعلى السياسة العاقلة، لا على الانفعالات.

فالتاريخ لا يرحم، ومن لا يتعلّم من خساراته، يُعاد دفعه دائماً إلى الهاوية… باسم الشعارات ذاتها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد عبدالقادر محمود لم ينعم الكرد السوريين حيناً و لا يوماً بحركة سياسية تُناسب تطلعاته ، بعد تنامي الشعور القومي وتصاعد وتيرته ، جراء المخزون الهائل و التراكمي لصدى الثورات الكردية في الأجزاء الأخرى من كُردستان ، تلك الثورات التي قارعت أعتى القوى العنصرية و الشوفينية المناهضة للحقوق الكردية ، مخزونٌ تاريخي و وجداني شكّل وعياً كان من شأنه…

محمود أوسو كلما فشلنا في قراءة الحاضر ،هربنا إلى الماضي لنصنع كبش فداء في الرواية الشعبية السائدة ،إن كردستان ضاعت لأن نائبا” كرديا” إسمه حسن خيري وقف في برلمان أنقرة عام ١٩٢٠ باللباس الكردي وقال :نحن والترك إخوة ودولتنا هي تركيا . بهذه الجملة وبحسب هذه الرواية ،سقطت معاهدة سيفر وجاءت معاهدة لوزان ودفن الحلم. هذه ليست قراءة تاريخية لأسباب…

د. محمود عباس ليست المؤتمرات الثقافية مجرد محطات تنظيمية تُراجع فيها اللوائح وتُنتخب الهيئات، بل هي، حين ترتبط بقضية شعب وذاكرته وثقافته، لحظات لمراجعة المسار وتجديد المسؤولية وتحديد ما ينبغي أن يكون عليه دور الكلمة في المراحل المتغيرة. ومن هذا المعنى يكتسب المؤتمر الثالث للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الكورد في غربي كوردستان، المزمع انعقاده غدًا، في 23/8/2026 بمدينة إيسن الألمانية،…

اكرم حسين منذ تأسيس أول حزب سياسي كردي في سوريا عام 1957، دخلت القضية الكردية مرحلة جديدة، انتقلت فيها من التعبير الثقافي والاجتماعي المتفرق إلى العمل السياسي المنظم ، وبعد قرابة سبعة عقود، يبقى السؤال مطروحاً: لماذا لم تجد القضية الكردية حلاً؟ وهل يعود ذلك إلى الظروف الموضوعية، أم أن جانباً من الإخفاق يرتبط أيضاً بطبيعة القيادة الكردية وأدواتها السياسية؟…